6-8 جلسة مع.. (السيد الرئيس)
6-8 جلسة مع.. (السيد الرئيس)
في نفس الاسبوع وبعد الإجتماع السريري ل(مركز بحوث الروماتيزم) جلست لوحدي مع (بروفيسور رايت) حكيت له عن مقابلتي وزوجتي مع (عميد كلية طب الأسنان).. أنصت لقصتي وكيف ان العميد لم يكن متعاطفاً معنا..انتظر حتى اتممت كلامي, ثم بدت منه حركة بيديه ووجهه عن عميد الأسنان بما معناه:
"دخلّي.. يولّي"!
ثم رفع جهاز الهاتف واتصل بأحد أصدقائه من اساتذة طب الأسنان في (جامعة ليدز) والذي يزمع البدء ببحث مشترك مع البروفيسور رايت حول احد انواع (السيراميك) الذي تم تطويره في (مركز بحوث الروماتيزم-قسم الهندسة الحيوية-), يمكن زرعته في الفك, ولكن يجب التأكد من كونه لا يسبب اي نوع من الرفض المناعي لكونه جسم غريب. تباحث بروفيسور رايت مع استاذ الأسنان الذي على الخط, ثم فوراً اتفقا على تسليم مشروع البحث لزوجتي!, على أن يكون بحثها على ماجستير الفلسفة (M Phil), وان تكون هي الباحث الرئيسي في ذلك المشروع!, ثم استحصل لها موعداً مع الاستاذ المشرف.. هكذا وبكل بساطة!.. (وكان الله يحب المحسنين)! (علماً بأن بروفيسور رايت لم يكن قد التقى بزوجتي سابقاً)!
في لقائنا مع الاستاذ (بيتر فاين Peter Fine) الذي سوف يشرف على الماجستير لزوجتي, وجدناه إنساناً على العكس تماماً من عميد طب الأسنان! كان انساناً في منتهى الأخلاق والطيبة وابدى تعاوناً كبيراً وتفهماً لوضعنا الخاص, ولم يكن مهتماً بدرجة اللغة عندها!..
حكى لنا الاستاذ ان (دراسة الماجستير فلسفة M Phil) تستغرق من سنتين الى ثلاثة سنوات, وأن الأجور التي تتقاضاها الجامعة من (الطلبة الأجانب) هي أجور فاحشة جداً!. وبما أن زوجتي ليست لها موارد خاصة بها, وبعد أن أخبرته بأنها سوف تدرس (على نفقتي الخاصة), فقد قام بتزويدها بكتاب يؤكد على أن دراستها ستكون بدوام جزئي (Part-time) كي تدفع أجور دراسة زهيدة (800) باوند سنوياً! بدلاً من (5000-6000) باوند في السنة! وهو (استثناء يمنح للإنجليز حصراً ولا يمنح للأجانب)!, ووعدنا بأن كون دراستها (دواماً جزئياً) هو (حبر على ورق)! وأن مدة دراستها ستستغرق من سنتين الى ثلاثة سنوات (كما لو كانت بدوام كامل)! (عرفنا فيما بعد, ولكون دراستها بدوام جزئي, واعتبارها (مواطنة), فقد تم إعفائها من (رسوم استعمال المختبر)(Bench Fees) والتي كانت ستكّلفنا سنوياً أكثر من (1000) باوند اخرى!.
دفعت قسطاً واحداً (بخساً جداً) عن تسجيل دراسة زوجتي على الماجستير, ثم لم ادفع اي مبلغ بعدها! لأنها ومنذ الشهر الأول لدوامها, تم تكليفها ب (ساعات) مراقبة عيادات (طلبة الدراسات الأولية) في كلية طب الأسنان, وتم اعتبارها (معيدة) في تلك الكلية!, وبالتالي إعطائها (اجوراً) عن تلك الساعات, وكانت المبالغ التي تحصل عليها من تلك الأجور تزيد بكثير على أجور دراستها للماجستير!, كما كان القسم الذي تعمل به يدفع لها ثمن كل ما تحتاجه من مستلزمات لدراستها!
بعد إنقضاء الأشهر الأربعة التي كنت اعمل فيها بديلاً عن الطبيبة الهندية, وكنت (اتهيأ نفسياً) الى انني سوف ينتهي عقدي وأعود بلا عمل!, إلا ان تلك الطبيبة- ولحسن حظي- لم تلتحق, بسبب حاجتها للتواجد مع ابنها (راجي) المولود حديثاً, وقامت بتمديد اجازتها!, وبذا استمر عملي في هذا المستشفى ستة أشهر أخرى!.
كنت أحضر مع (فريدي) جميع (الندوات السريرية الباطنية) التي تجرى ظهيرة كل يوم أربعاء في مستشفى (جنرال انفرمري) (Leeds General Infirmary /لأ÷) والتي يسبقها تناول القهوة والسندويتشات والتي هي عادة أما بالجبنة او بالبيض مع الصلصة (Egg with Chutney) وهي السندويشات المفضلة (حلال), حاملين معنا جهاز المناداة, ومستعدون للمغادرة عند الطوارئ.. كما كنت أحضر جميع الندوات السريرية الأسبوعية في مستشفى (جابل اليرتونChapel Allerton) والتي كانت كل خميس بعد الدوام لمدة ساعة, وبذلك تطورت مهاراتي ومعلوماتي في الطب الباطني بسرعة قياسية. كل هذه اضافة الى حضور الاجتماع الأسبوعي الذي يتم في (الفجر) في (مركز بحوث الروماتيزم), و الثاني في يوم الثلاثاء بعد الظهر!.
ولحسن حظي فقد كانت هناك ردهة ل (تأهيل الشباب المعوقينYoung Disabled unit) في نفس المستشفى الذي كنت اعمل فيه (جناح نيوتن كرين), وكانت استاذتي في التأهيل (آن تشمبرلين) تأتي اسبوعياً لفحص المرضى الراقدين فيه, حيث كنت كنت اختلس بعض الوقت كي أرافقها في جولتها على المرضى!, وبذا بقيت ملتزماً بتعاقدي مع الدولة العراقية لدراسة (المفاصل والتأهيل الطبي).
توثقت علاقتي ب(آن) كثيراً ودعتني مع عائلتي لتناول الطعام في (عيد مولد السيد المسيح) عليه السلام, واجلست كل واحد منا في الكرسي المخصص له, وتعرفنا بزوجها طبيب الأشعة اليهودي (ديفيد لينتوت), وفوجئنا بأنها قد خصصت هدايا لكل فرد من عائلتي! (مع اننا لم نجلب معنا اي هدايا بسبب جهلنا بعاداتهم آنذاك!).
الأستاذة (آن تشمبرلين) المشرفة على تدريبي لل (تأهيل الطبي), اعطتني قائمة بالمراكز التي يجب أن ازورها كجزء أساسي من مستلزمات دراستي, وهي مركز تأهيل (إصابات الحبل الشوكي) في بندرفيلد, و (معمل المساند والأطراف الصناعية) في نفس المدينة (ويكفيلد Wakefield). والتي زرت كل منها على حدة وطبعت لها تقريراً مفصلاً مدعوماً بالصور عن كل مرحلة من مراحل التأهيل في تلك المراكز. (كل ذلك كي اكسب ودها ورضاها واجعلها تغض النظر عن كوني اعمل بجد في خط آخر وهو الطب الباطني وامتحان عضوية الكلية الملكية البريطانية)!
كلفتني (آن تشمبرلين) بالسفر في احدى نهايات الاسبوع الى (كلاكتون Clacton) في جنوب شرق انكلترا, حيث يوجد هناك مركزاً نوعياً مهماً لتأهيل المصابين ب (الشلل النصفي) نتيجة (الجلطة الدماغية). وصلت المركز صباحاً حيث استقبلني مدير المركز ببشاشة وترحيب, واخذني في جولة تعريفية بأقسام المركز, ثم سلمّني الى عدد من مساعديه, كل واحد منهم يدور معي في احد الاقسام ويشرح لي عن تفاصيل العمل, فهنا يتم تقييم حالة المريض, وهنا التأهيل الوظيفي, وهناك التدريب على النطق, وهنا المسبح والتمارين الرياضية تحت الماء.. الخ.
وكان اتفاقي مع مدير المركز (الذي نسيت اسمه) ان التقي به في الثانية بعد الظهر بعد انتهاء زيارتي لأقسام المركز, حيث سيأخذني الى مكان نتغدى فيه سوية, وفعلاً بعد نهار متعب من المحاضرات عن المصابين بالشلل والطريقة المثلى لعلاجهم, أخذني بسيارته إلى قصر قديم يبدو انه نادٍ راقٍ جداً. دخلت معه الباب الرئيسي وكان من الواضح أن هناك من يحرس الباب لمنع المتطفلين.
دخلنا قاعة كبيرة تتوسطها طاولة طعام طويلة جداً, ربما كانت الطاولة سبقنا بالجلوس اليها حوالي ثلاثين شخصاُ!. بقينا جالسين لبعض الوقت حيث فهمت اننا ننتظر قدوم السيد(الرئيس)؟, وبعد فترة قليلة جاء شخص يرتدي بدلة رسمية وتوشح بوشاح مزركش ويتوسط صدره وسام من الذهب كبير الحجم!. نهض له الجميع ونهضت انا احتراماً للسيد (الرئيس)؟, وبعد أن جلسنا و بإشارة من يده ابتدأ غدائنا!.
عرفت من مضيفي ان المكان الذي نحن جالسون فيه هو (نادي الروتاري Rotary Club). كانت هناك شعارات لعجلة فيها ستة أوتاد منتشرة على الحيطان في كل مكان, كما وضع كل منهم دبوّساً معدنياً يحمل تلك العجلة المسننة. سألت مضيفي عن ماهية (الروتاري) هذه؟ اجابني انهم (جمعية انسانية) تقوم بأعمال الخير في مختلف انحاء العالم, لاتقبل ان يسجّل فيها الا من كان من علية القوم وصفوة المجتمع!. وبالتالي فإن غايتها أن توظف جهود هؤلاء النخبة الى عمل الخير والاحسان والمشاريع التي تساعد المحتاجين والمعوزين في جميع أنحاء العالم. علمت منه إنهم يقبلون الرجال فقط في هذا النادي دون النساء.
شعرت ان هناك بعض الريبة في افكار وممارسات هؤلاء القوم!. الى هنا وكان الكلام مقبولاُ رغم ان شكل جميع الجالسين ببدلاتهم وكروشهم المتهدلة لا توحي بكونهم من (فاعلي الخير)!. أما وجبة الطعام الباذخة وأعداد الخدم الذين يخدموننا فلم تكن هي الاخرى توحي باي شئ له علاقة بالبر والإحسان وفعل الخير!.
الرئيس -والذي لم يكن جالساً بعيداً - سأل المضيف عني: من أنا ومن اي بلد؟ أخبره بكوني طبيب دراسات عليا وانني قادم من العراق. وفجأة تغير وجه (الرئيس) وبان عليه الغضب, واخذ ينتقد حكومة العراق بشدة وبعنف على دورها وحملتها للقضاء على (إخواننا) (الماسونيين), وعلى معاقبتهم للماسونيين بالسجن وملاحقتهم وايذائهم!.
وصلت لي الفكرة!.. اذاً ال(روتاري) كان ايضاً شكلاً من اشكال (الماسونية)!.. وهو أمر كنت شبه متأكد منه منذ اللحظة الأولى من دخولي ذلك المكان المريب.
(لمن يحب الاستزادة عن موضوع نوادي الروتاري, هناك مقال موسع عنهم في الرابط أدناه تحت عنوان:
«الروتاري» ... جمعية ماسونية تتظاهر بالعمل الإنساني هدفها القضاء على المعالم الثقافية والدينية
https://www.alraimedia.com/article/509331

تعليقات
إرسال تعليق