3- طبيب... عتوي

3- طبيب.. عتوي
ا د سامي سلمان
خيمتي, غرفتي, بيتي.. في العرف العسكري يسمونها (خيمة مئة وثمانين)(180).. علمت في ما بعد إن هذا هو وزن الخيمة بال(باوند).. حيث هناك خيام كبيرة (400).. واصغرها هي (80) باوند.. وهي جميعها بالأوزان الأنجليزية كأثر من نظامنا العسكري البريطاني.. كانت مقامة على حفرة مستطيلة الشكل تحت سطح الأرض بمقدار نصف متر تقريباً, يحيط بها إزار من أكياس الرمل لمنع تسرب مياه الأمطار إلى داخلها... وفيها عمودان من خشب الخيزران (البابمبو).. وقد ثبتت بعض المسامير على أعمدة الخيمة.. علق على أحد هما مصباح نفطي صغير (لاله) لها مرآة خلفية كي تزيد من سطوعها... وفي أحد الزوايا هناك (طشت) وابريق من البلاستك للتغسيل والوضوء وإستعمالات اخرى.. وسرير حديدي وفراش قطني وبطانية.. وفي هذا الشتاء البارد فإن اعظم قطعة أثاث في هذه الخيمة هي المدفأة النفطية (الصوبة) ال(علاء الدين) والتي كنت اتركها متقدة ليلاً ونهاراً.. واكتفي أثناء النوم بتدوير مقبض دائري صغير لتخفيض ارتفاع شعلتها الزرقاء توفيراً في الوقود الثمين.. في برد هذه المنطقة المكشوفة, فإن عدم وجود وسيلة للتدفئة قد يعني الهلاك المحتم.. هذا كل متاعي الذي احتجت له طيلة أربعة أشهر قضيتها فيما بعد في مقر هذا الفوج! كنت احياناً أتأمل كم إن حاجات الإنسان الحقيقية هي قليلة جداً لكنه يطمع دوماً بالمزيد!
زميلي الطبيب غريب الأطوار هذا.. كان ترحيبه بي كبيراً .. فأخيراً سوف أعتقه من (مفرزة) طبية هو متورط فيها منذ اربعة شهور, وسوف يتنعم ببعض الراحة والسعادة عندما يعود الى مقر (وحدة الميدان الطبية) حيث الأبنية النظامية الفارهة والكهرباء والراحة... الطبيب الذي نسيت اسمه, كان من دورة واحدة قبلنا.. أي خريج 1972 . سألته عن المكان الذي سأستخدمه لفحص الجنود المرضى؟.. أخبرني ان ليس هناك حالات مرضية تستحق الذكر, يومياً ستة او سبعة جنود يطلبون الفحص بسبب حالات بسيطة (إسهال أو صداع أو سعال) وقد لا يحتاجون إلى فحص. الخيمة التي أعيش فيها هي العيادة أيضاً.. وإذا استوجب فحص بطن أو ظهر أحد الجنود, فإن الفحص يتم على سريري وفوق فراشي نفسه إذا لزم الأمر, أمّا الحالات المهمة والخطيرة فإنها يتم إرسالها بموجب كتاب رسمي الى (مستشفى أربيل العسكري) حيث توجد بعض التخصصات الأولية كالباطنية والجراحة.
ثم وفجأة قال لي "إن أعظم علاج تم اكتشافه هو ال(فاليوم).. إنني احترم هذا الدواء جداً, وعندما تضيق بك السبل وليس لديك اي شئ لتقديمه لمريض من الجنود أو الضباط, فإن السحر ب(الفاليوم)"!!.
أطلق ضحكة مدوية وقال.. " سأخبرك بشئ.. في يوم عرسي و دخلتي على زوجتي, كانت تستحي كثيراً ومرعوبة جداً, وكلما حاولت التودد لها وتطمينها كلما ازداد رعبها.. حتى اقنعتها بأن نجلس سوية ونتناول بعض ال(ببسي), ولم تدر هي انني قد سحقت حبتين (فاليوم5 ) ودسستها في قنينة ال(ببسي) الذي تناولته عروستي.. وبذا تمكنت من زوجتي الغائبة عن الوعي بسبب الفاليوم! الفاليوم فعلاً رائع!"
كنت استمع له وانا مندهش من صراحته في طرح كل ما يخطر في باله, بدون اي تحفظ!.. ثم تذكرت أن اسأله لماذا رفض ان يشارك الضباط طعامهم بدفع مبلغ زهيد شهرياً, فرغم إن طعام الضباط مقابل ثمن وليس مجاناً, ولكنك مقابل ذلك المبلغ الزهيد تحصل على ثلاث وجبات أساسية لابأس بها يومياً.
كشّر عن أنيابه ثم أطلق ضحكة مدوية اخرى وهو يؤشر الى القدر الذي يغلي على المدفأة النفطية (صوبة علاء الدين) التي احتلت وسط الخيمة وقد فاحت رائحة زناخة اللحم من القدر... أخبرني ان طباخ الفوج (عريف المطبخ), هو مدمن على الأدوية المهدئة والمنشطات, ويقوم زميلي بتوفير حصة ثابتة له من (الفاليوم) وال(ليبريوم) وال(مبروباميت) وغيرها, والتي يحصل عليها من علاقاته الشخصية مع صيادلة (مستشفى اربيل العسكري), وهو المجهز الوحيد للأدوية للقطعات الطبية العسكرية.
وبالمقابل يغض (عريف المطبخ) النظر عنه عندما يتسلل خلسة كل يوم الى (خيمة المطبخ) حاملاً قدره المسخّم هذا, ويقوم بسرقة قطع اللحم من القدر الكبير المخصص للجنود!!.. هو يقوم بهذا كل يوم! ويقوم بعدها بطبخ اللحم حسبما يرتأيه من وجبات!!.. وبذا يحصل على وجبات مجانية, وبكمية لحم أكثر من (مطعم الضباط)!.. فعلام دوخة الضباط ودفع مبلغ شهري للطعام؟..
كان غداؤه ذو الرائحة الزنخة قد جهز للتناول.. جلس على حافة السرير وألحّ علّي ان أشاركه بالغداء, لكني رفضت بشدة واعتذرت بإصابتي بتلبك معوي ولا يمكنني تناول أي طعام هذا اليوم.. وجلست انظر له وهو يأكل الثريد بيده.. بينما لم أكن أقبل لنفسي أن آكل طعام (حرام).. مسروق من أفواه الجنود المساكين..
وبعد أن حزم متاعه على عجل وحمل ما تبقى في قدره للتبرع به لأحد اصدقائه من الجنود.. ودعني ومضى الى السيارة العسكرية التي سوف تغادر بعد قليل الى أربيل, وكان هذا الشخص من أغرب الشخصيات التي التقيت بها طيلة حياتي الطبية! ولم ألتق به بعدها أبداً!...
بعد النشر وصلني التعقيب التالي من الزميل طبيب جراحة الكسور الدكتور (حيدر الزاهد):
وصف دقيق و"لذيذ" .. حلو ( هسه) ومر( بوقتها) .. أعاد لي ذكريات خدمتي العسكريه ( اكثر من خمس سنوات.. أغلبها أفواج مشاة ) .. وكانت أيامها الحرب مع ايران.. واخذت الجبهه "كنس" من الجنوب إلى الشمال ( مرورا بالوسط من جلات في علي الغربي و مهران وزرباطيه بين جصان وبدره في الكوت ) ...
بوقتنه العياده الخارجيه مال الفوج يطلق عليها : مركز إسعاف الوحده ( او اختصارا .. الوحده الطبيه ) .. وكان كتاب النقل مباشر من مدرسة الطبابه إلى ف٢ ل ١خ ( الفوج الثاني اللواء الأول الخاص .. ومثلك عمي العزيز دكتور سامي .. لواء تشكل في الموصل من الويه متهيكله و ضباط معادين للخدمه وكل جنوده من مواليد 1946 و 1945 ... ههههه بحرب ايران جانو شباب ) .. المصيبه انا كنت وكيح ومشاغب ... وقد احلت إلى كلية الضباط الاحتياط في الرشيد .. لكن فصلت منها .. وكان نصيب رتبة : ج م ط 😜🤭 ...
تابعت تحريرك للنص بشغف و لذه .. تذكرت البسطال والخوذه ( بخدمتي كانت البيريه فقط عند النزول في الاجازه) .. ولم أنعم يوما بالمبيت في وحدة ميدان طبيه او مع صوبة علاء الدين...
ههههههه .. بس اتونست من دريت أكو واحد مثلي هم اتبهذل بالعسكريه ( عمي لا تزعل. . جانت ايام اكلان تبن.. يعني تفاصيل المعيشه اليوميه تملئها المنغصات..
يعني أقل شي.. الحمام - التواليت-. . الجنود يسموه (الجول).. و(الجوله) هي الصحراء بالتركيه.. الربع يجلسون بالعراء القرفصاء متقابلين ويقضون حاجاتهم ويتكلمون مع بعض.. ولا يهمهم الخصوصيه والعيب.. هذا خصوصا ايام تحرك الفوج من قاطع إلى قاطع .. الى ان نستقر -وقلما نستقر / مثل الكواوله / ... لكي نحفر حفره ونحيطها بالجينكو من ثلاث.. مع الضلع الرابع من الخيش - الكواني- باباً ) ..
عمي ارجوك .. لاتقصر بالكتابه ..
تعليقات
إرسال تعليق