5-8 ميمي.. وكذبتها البيضاء!
5-8 ميمي.. وكذبتها البيضاء!
في الفترة بين إنتحار زميلي الطبيب وصدور كتاب اجازتي الدراسية الجديدة إلى بريطانيا, كنت قد شاركت مع زوجتي ومع طلبة دراسة اختصاص التأهيل في سفرتين, كانتا على هامش أحد المؤتمرات الطبية في امراض المفاصل, والتي ينظمها البروفيسور (سيمون).
الأولى كانت الى كهف (روكفورت Roquefort) وهو جبل يبعد ساعة واحدة عن مونبلييه.. كهف عميق في داخل الجبل. بعد ان دخلنا مررنا من خلال الالوف من تشكيلات ال(ستالاكتايت والستيلاكمايت) المتدلية من سقف الكهف كأنها المشكاة, وتلك التي ترتفع من الأرض مكونة اشكالاً بديعة. في إحدى القاعات الكبيرة في داخل الكهف رأيت كيف يتم و بواسطة مغارس معدنية خاصة, غرس مادة تحتوي على الفطريات داخل أقراص كبيرة من (جبن الماعز) , ثم تغلف تلك الأجبان برقائق الألمنيوم, وتترك لعدة شهور لتعطي ذلك الجبن الوان الفطريات الزرقاء و الطعم الحاد اللاذع, مما يجعله من أغلى الأجبان في العالم.
السفرة الثانية كانت بسيارتنا الخاصة حيث ذهبنا في رتل طويل من حوالي ثلاثين سيارة الى مزرعة ل(تسمين العجول) تبعد عن مونبلييه بحوالي ستين كيلومتراً, وهناك كان العرض جميلاً يتم باللحاق بالعجول الطليقة من على ظهر الخيول, ثم الإمساك بها وبعدها وشمها بالشعار الخاص بالمزرعة بحديد تم تركه على النار حتى صار ابيضاً، والعجل المسكين يخور بألم يركض بعده للاحتماء بأمه!. بعد ذلك العرض الممتع, جلسنا على مساطب طويلة لتناول لحم العجل المشوي على الحطب, مع مقبلات من الأصداف البحرية المشوية!..
فوجئت بالبروفيسور (سيمون) وهو يترك ضيوفه و يجلس الى جنب زوجتي وهو يهنأها كونها زوجة أفضل طالب دراسات عنده! كانت تلك مفاجأة كبيرة لي, فقد كنت أظنه مهتماً ببحوثه ومؤتمراته فقط, لكن تبين لي انه يحصل على معلومات عن أداء كل طالب عنده من خلال التدريسيين و سكرتيراته. في داخلي شعرت بالسرور, وبنفس الوقت ببعض الحزن على انه سوف يصاب بخيبة الأمل عندما يعرف انني سأترك دراسة المفاصل في فرنسا وأودعه شاكراً له كرمه.. بعد بضعة أسابيع!..
وفعلاً عندما زرت مكتبه بعدها أحسست بأنه أصيب ببعض خيبة الأمل لتركي الدراسة وحاول أن يثنيني، ثم لما ادرك ان قراري لا عودة فيه, قام بتزويدي بكتاب تزكية فيه الكثير من عبارات الإعجاب والثناء. أما سكرتيرته فلم تترك الفرصة الا وأبدت كراهيتها للإنجليز (لكونهم دخلوا السوق الاوربية المشتركة لكنهم متذمرين دوماً و مسببين للعراقيل والمشاكل) ولسان حالها يقول (ساعة السودة اللي خلتنه نقبلهم بالسوق الأوروبية)! (اما الانكليز فبعد التحاقي بهم وجدتهم يلقبون الفرنسيين ب (الضفادع بدل الفرنسيونFrogs =French)، أو يسمونهم (آكلي الثوم Garlic Eaters) (بالنسبة للأنجليز في ذلك الوقت كان أكل الثوم يعتبر شتيمة)!.
هنا اود ان اذكر الفرق بين النظام الصحي البريطاني وبين الاوروبي (الالماني والفرنسي), ففي بريطانيا كل الخدمات الطبية هي (مجانية) وجميع المستشفيات في ذلك الوقت كانت حكومية وجميع المواطنين يحصلون على الرعاية الطبية الكاملة دون ان يدفعوا فلساً سواء من كان غنياً او فقيراً. هذا النظام قد يراه الاكثرية بكونه رائعاً إلا أن له جوانبه السلبية, فكون كل الكادر الصحي والطبي موظفون لدى الدولة, قد يقتل عنصر المنافسة لديهم, كما أن الكثير من المواطنين يرغبون بالتميز حتى لودفعوا من جيوبهم, ولا يرغب البعض من المتمكنين مادياً بالانتظار اوقاتاً طويلة لحين اجراء عملية جراحية مثلاً..
أما في فرنسا (وفي ألمانيا) فإن معظم المستشفيات والخدمات الصحية يقوم بها القطاع الخاص, وجميع الشعب وبكل فئاته لديهم تأمين طبي تدفعه الشركات او المؤسسات التي يعملون فيها, أو يقوم المواطن بشراء باقة الخدمات كما يحلو له بالمبلغ الذي يناسب جيبه!. فهناك من يدفع عن خدمة نقله الى المستشفى بإسعاف طائرة الهليوكوبتر!. وهناك مستشفيات خمسة نجوم لمن يشتري تأميناً اغلى! وقد سكنت انا في غرفة في أحد المستشفيات في المانيا اثناء دورة تدريبية, وكان المستشفى عبارة قطعة من الجنة.. مطاعم ومسابح وبحيرات وحديقة حيوانات.
لم يكن عندنا كطلاب تأمين طبي, واضطر الكثير من زملائي الى (شراء) الباقة الأساسية من الخدمات الطبية كي يضمنوا خدمة طوارئ بسيطة لهم و لعوائلهم. بالنسبة لي لم أشتر أي تأمين, فكوني طبيب قد سهل على الحصول على خدمات كاملة (مجاناً) عندما راجعت المستشفيات لإجراء تداخل جراحي لزوجتي, واحتجت انا ايضاً الى استشارة مرتين, وكان الأطباء يقومون بإلغاء قائمة أجورهم وكذلك نفقات مراجعة المستشفى بمجرد معرفتهم انني طبيب زميل لهم, وهي اخلاق جعلتني احترمهم و اعجب بهم.
في نهاية عام 1980 ابتدأنا بتصفية اغراضنا حيث تم تخصيص كل قطعة أثاث في بيتنا كهدية لأحد اصدقائنا او جيراننا لأخذها (مجاناً), ثم وضعت إعلاناً على لوحة إعلانات مطعم الطلاب, عن بيع غرفة نوم من خشب الساج الأصلي, وثلاجة وطباخ وغيرها. وعندما اتفقت على السعر مع المشترين, اشترطت عليهم أن يرفعوها في آخر يوم لي في (مونبلييه)..ولا يمكن ان اقول ان التخلي عن أثاث شقة كاملة بعد سنتين فقط من جمعه بالتعب والجهد والعرق هو امر ممتع, او يمضي دون بعض الشعور بالمرارة و الالم.
أعلنت في جريدة (الاركوس Argus) عن بيع سيارتي الستروين, وتبرعت (ميمي) ان تضع رقم هاتفها على الإعلان, إذ لم يكن عندنا جهاز هاتف ارضي!. أهديت (ميمي) الكثير من الأشياء الصغيرة, بعضها تراثيات عراقية, اخذتها وهي تبكي وتنتحب..
في اليوم الأخير قبل سفرنا ظهر الإعلان عن السيارة في الجريدة التي تصدر صباحاً.. الأمر الذي أقلقني وقد مرت ساعات طوال دون أن يتصل أحد ب(ميمي)!. وكان الوقت عصراً عندما جاءت عائلة من شاب وزوجته لفحص سيارتي والإتفاق حول شرائها.. كانا مترددين في الشراء مما سبب لي الكثير من القلق, فأنا يجب ان اسافر بعد يومين الى بريطانيا, ولاتزال سيارتي غير مباعة!.. بقي الزوج والزوجة يتناقشان فيما بينهما ولا يبدو انهما يصلان الى رأي, عندما دخلت علينا (ميمي) مسرعة وهي تقول "سيصيبني الناس بالجنون.. منذ الصباح وحتى الآن لم يتوقف هاتفي عن الرنين! العشرات من الناس يرغبون بشراء سيارتكم, وقد اتفقت مع اثنين منهم على المجيء بعد نصف ساعة!"
هنا قفز الشاب وزوجته قائلين "الغي الموعد معهم! نحن أولى بشرائها!" ثم إستلما مفاتيح السيارة فوراً وقادا السيارة بعد أن دفعا لي المبلغ كاملاً!..
بقيت (ميمي) جالسة في صالة بيتي, ثم بعد مغادرة المشتريين, طلبت منها العودة الى شقتها والاتصال بالناس الذين اتفقت معهم كي تلغي موعد مجيئهم!
دهشت عندما قالت: "أي ناس؟ لايوجد اي ناس!, لا أحد قد اتفقت معه على المجيء! انا عندما دخلت عندكم, رأيت التردد بادٍ على وجوه الشاب وزوجته, لذلك اخترعت هذه (الكذبة البيضاء) لأقطع عنهما الحيرة كي يسرعا باتخاذ القرار بالشراء! ويتوقفا عن التردد"!
أذهلتني عبقريتها, فقد أحسنت التمثيل وتظاهرت بجدية خدعت بها انا ايضاً, دفعت الناس لإتخاذ قرار كانا مترددين فيه!... ووفرت عليّ القلق من مشكلة بيع سيارتي!
أهديت (ابو رانية) الأريكة الجلد البيضاء القابلة للتحويل الى سرير نوم (Canape Lit) وهي قطعة عزيزة على قلبي (والتي تظهر في الصورة مع ابنتي (مروة)).
ودعنا (مونبلييه) وتركنا فيها قطعة من قلوبنا, بقينا نحّن إليها, ونبكي عليها طيلة فترة بقائنا فيما بعد في (إنجلترا)!.. في فرنسا عشنا (عيشة طلاب), ذوي دخل محدود يعتمد على راتب الإجازة الدراسية والمعونة الاجتماعية, معظم وجبات طعامنا كانت في (مطاعم الطلبة), الا ان عيشتنا كانت وكأننا في الجنة!.. سافرنا فيها عدة مرات الى (إمارة اندورا) القريبة, و جميع اجزاء اسبانيا, ومدن الأندلس, وموناكو وايطاليا.. استمتعنا بالشمس المشرقة دوماً والجو المعتدل والصحبة الطيبة..
وفي (إنكلترا) كنا أفضل حالاً من الناحية المادية والدخل المالي,.. الا انها كانت (عيشة انكليزية) مملة, لا طعم لها, وزادها الجو الغائم الممطر دوماً كآبة وفتوراً.. وحرمنا من شمس (مونبلييه) المشرقة التي صرنا فيما بعد نحلم بها!!

تعليقات
إرسال تعليق