5-7 انتحار طبيب

 5-7 انتحار طبيب

كنا نحن الطلبة الدارسين في فرنسا نعاني من مشكلة الاتصال بأهلنا ومعرفة أخبارهم, فلم يكن لنا في ذلك الوقت غير الرسائل التي قد تستغرق أسابيع. أما الهاتف فقد كان خارج امكانياتنا المادية البسيطة. 

كانت هناك صناديق هواتف (كابينة تلفون),  في ركن كل شارع من (مونبلييه), و للإتصال ببغداد يجب وضع العديد من العملة المعدنية من فئة (نصف فرنك) لا تمنح احداها اكثر من  خمس ثواني من الحديث!., والمكالمة التي تستغرق خمسة دقائق ربما عليك أن تنفق ربع دخلك الشهري!.

 الطلبة الايرانيين كانوا اكثر الناس التصاقاً بنا واكثرهم مودة لنا!, وكانت عندهم (خبرة) في العثور على اجهزة قد تعطل فيها عدّاد النقود! (قد يكون قضاءً وقدراً او بفعل فاعل!),  وبالتالي ينتشر الخبر بيننا انتشار النار في الهشيم! بأن هناك جهازاٌ عاطلاً في القرية الفلانية التي تبعد عشرة او عشرين كيلومتراً امام (محل مونوبري Monoprix).. اغتنموا الفرصة! وهنا نسرع بسياراتنا لنجد المنظر الغريب الذي  سيكتشفه رجال الشرطة بسهولة حيث يلاحظون صفاً طويلاً من الشباب, جميعهم من الأجانب,  ينتظرون (بصبر) أمام (كابينة هاتف) في قرية منزوية بعيدة! وهناك يجب ان ننتظر دورنا الذي قد يستغرق ساعتين أو ثلاث لحين استلام سماعة الجهاز والاتصال بأمّي او بأهل زوجتي!.

الشباب -فيما بعد- اكتشفوا أن بإمكانهم وبطريقة فنية (تعطيل العداد) مؤقتاً في أي جهاز, حيث يدخلون عملة ال (نصف فرنك=50 سنتيماً) ثم يبدأون بتحريك عتلة السماعة ببطئ شديد وحذر.. حتى تصل تلك القطعة النقدية الى منتصف مسارها, ثم تدفع العتلة بقوة إلى الأعلي,   وبالتالي (تنحشر العملة) في  مكانها, ثم يمكن أن تبدأ بالاتصال والحديث  وإلقاء عملة من فئة صغيرة جداً (2  سنتيماً), بينما يعتبرها الجهاز (نصف فرنك)!! لم يكن أمامنا غير تلك الطريقة في وقت لم يكن هناك انترنيت او وتسب او فيسبوك للتواصل مع ذوينا!

  في زيارتي لبغداد ذهبت الى  كلية (التربية الرياضية), حيث تعرفت على  الانسان الطيب (فاروق الخطيب) الذي زودني بالعديد من الصور و المصادر الموثقة عن تاريخ الرياضة في العراق القديم عند السومريين والبابليين!!

كذلك زرت الأخ المرحوم الدكتور(ابراهيم البصري) الذي قام بإهدائي العديد من الكتب النفيسة في  الطب الرياضي واهم مافيها هو تأريخ الطب الرياضي في العراق الحديث, حيث كان (ابراهيم البصري) له الريادة في استحداث هذا الاختصاص في العراق.

بعد عودتي الى (مونبلييه) كتبت مسودة الاطروحة في (الرياضة في العراق القديم و الطب الرياضي في العراق الحديث), وصادف أن تكون لنا  جارة مثقفة في نفس منطقتنا تعرفت علينا بالصدفة!. كانت قد زارتنا لتسأل بالتفصيل عن الحياة في بغداد, إذ كان زوجها  يعمل مهندساً في مشروع بناء (مطار بغداد الدولي) وكانت تروم الالتحاق به وكان عندها (مئة سؤال) عن العراق وبغداد في زمن لم يكن هناك  (كوكل او انترنيت). توثقت علاقتنا بتلك السيدة ودعوناها لتناول العشاء عندنا ثم دعتنا بدورها للعشاء عندها (بعد أن تحبس كلبها قبل دخولنا شقتها)!.. ثم فاتحتها ان كانت مستعدة لمساعدتي في تصحيح أطروحتي وجعلها بلغة فرنسية مفهومة مقابل (إكرامية مالية)!.

ساعدتني تلك السيدة على اكمال أطروحتي وإظهارها على أفضل وجه,  وعندما تقدمت بها للجنة الامتحانية في (الطب الرياضي) وجدت ولسعادتي أن جميع الأساتذة الممتحنين يتسابقون للحصول على نسخ إضافية منها!  وتم قبول الأطروحة دون مناقشة!.

ثم شفعت لي تلك الأطروحة على اجتياز (الامتحان الشفهي) بأحسن وجه وأفضل ما يمكن, وكانت نتيجتي النجاح والحصول على شهادة الإختصاص في الطب الرياضي من الدور الأول!..

أصيب زميلي (تريستان) بالدهشة البالغة لنجاحي من الدور الأول! خصوصاً وقد رسب البعض من الفرنسيين والجزائريين الذين كانت الفرنسية لغتهم الأم! وجاء (ترستان) مع (خليلته) حاملاً باقة زهور الى شقتي لتهنئتي على النجاح, ثم لتناول كمية أخرى من (معشوقته) (كبة الحلب) التي تعدها الدكتورة زوجتي, وقال لي وهو يتحدث بجدية:

"الآن عرفت كم ان (محمّد) يحبك.. لابد أنه  كان سبباً في نجاحك!"

(زملائي الفرنسيون يعتقدون اننا نعتبر (الرسول محمد صلى الله عليه وسلم) (إلهاً) كما يعتبرون عيسى الهاً او ابناً للإله! ولم تفلح كل محاولتنا لجعلهم يغيرون ذلك الاعتقاد)!.

ولكن الأمور لم تكن كما يرام مع كل الاطباء العراقيين الذين قدموا الى(فرنسا). الكثير منهم لم يكن ينظر الى وقته في فرنسا, كما كنت انظر لها على انها (دراسة + سياحة على نفقة الحكومة العراقية), وهؤلاء كانوا يعانون الامّرين من صعوبة اللغة, والخوف والرعب من صعوبة الدراسة وصعوبة التأقلم مع المجتمع الفرنسي. هؤلاء كتبوا الرسائل تلو الرسائل والطلبات الملحة الى الحكومة العراقية يرجون ويتوسّلون أن ترأف الحكومة بهم وتوافق على أن يغيروا بلد الدراسة من فرنسا إلى بريطانيا, التي عادت العلاقات معها الى طبيعتها بعد مرور عام من القطيعة, ولكن الحكومة العراقية لم تستمع لهذه الشكاوى ولم تأخذ معاناتهم محمل الجد وهددت بمعاقبة من يفكر منهم بخرق التعاقد  والكفالة. وفعلاً عاد الكثيرون من الأطباء بعد بضعة اشهر الى بغداد وتحملوا تبعات اعادة دفع المصاريف التي أنفقت عليهم!. امّا انا فكنت مستمتعاً بكل يوم وكل شهر من وجودي في تلك المدينة الجميلة في ذلك البلد الجميل الواقع على البحر الأبيض المتوسط, وبالربيع الدائم صيفاً وشتاءاً.

  وفجأة حصل أمر لم يكن في الحسبان! احد الاطباء العراقيين في احدى المدن الاخرى (اظنها بوردو)  كان قد قدم للتخصص في الأمراض الجلدية, وصل به اليأس من صعوبة اللغة والخوف من مستقبل الدراسة ومن صعوبة التأقلم مع المجتمع الفرنسي... الى الانتحار بإلقاء نفسه من شرفة احدى العمارات العالية!. وحمّل اهله الحكومة العراقية تبعات موت ابنهم, خصوصاً وانه ترك رسالة انتحار يصف فيها كيف أنه اشتكى مراراً وتكراراً من صعوبة الوضع ومن صعوبة الدراسة الى المسؤولين في بغداد, وان احداً لم يستمع الى شكواه!.  

بعد هذا الحادث المفجع ببضعة أسابيع صدر كتاب رسمي من (ديوان الرئاسة) يشمل (الاطباء فقط) دون باقي الدارسين في فرنسا يخيّرهم بين أمور ثلاثة:

1-الاستمرار في الدراسة في فرنسا.

2-العودة الى العراق و اعفاؤهم من كل التبعات المالية والقانونية عن عدم الحصول على الشهادة المتعاقد عليها.

3-الحصول على قبول جديد من دولة أخرى, والتمتع بإجازة دراسية جديدة, واعفاْؤهم  من العقد المرتبط بالاجازة الدراسية السابقة!.

كنت قد اكملت سنتين تعلمت بها (اوليّات) (لغة البلابل), واستمتعت مع عائلتي باحلى العطل في الدول المجاورة وحصلت فيها على شهادة اختصاص في (الطب الرياضي) والتي كانت (شهادة جانبية) خلال استمراري في دراسة المفاصل!.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

4-2 بكرين و صدّامين وأربع قصص حزينة

2-7 مستشفى طوارئ الرصافة

3- طبيب... عتوي