5-5 النمر الوردي
5-5 النمر الوردي
جئت الى البناية الأثرية لعمادة كلية الطب, حيث يجب أن اجتاز الجسر المتحرك فوق الخندق المحيط ب(البناية-القلعة) للدخول الى العمادة! وسألت عن مدير التسجيل, كان رجلاً عجوزاً في منتهى الطيبة واللطف, قام باستقطاع مبلغ لا يتجاوز الخمسة فرنكات فرنسية مني, وكان المبلغ عن اشتراكي في جميع قاعات الرياضة التابعة للكلية, أما الدراسة فهي مجانية بالكامل!, ثم زودني بقصاصة ورق الى المركز الصحي كي أجري فحص (اشعة صدر) وفحص الجلد لمرض التدرن (السل) ( Tuberculin). كان ذلك عذاب ما بعده عذاب, لأنني وبسبب عملي في مستشفى الحميات اثناء اقامتي الدورية وتماسي المباشر مع مرضى التدّرن, فقد صرت أتمتع بمناعة شديدة ضد المرض تجلت في تكوّن بقعة حمراء كبيرة مؤلمة على مكان الفحص بقيت اعاني منها لأسابيع, وبعد صدور نتائج الفحص الشعاعي السلبية, زودني بهوية رسمية وصرت رسمياً طالب دراسات عليا في (كلية الطب) (جامعة مونبلييه)!.
اخبرونا ان السنة الأولى من الدراسة ستكون محاضرات مكثفة.. ابتدأت الدروس بموجب جدول اعطي لنا بمعدل ساعتين او ثلاث صباح كل يوم من الاسبوع وكانت دروسنا في غرفة صغيرة من نفس (قسم المفاصل) في مستشفى (سانت ايلواSt Eloi) كما كانت هناك شعبة كبيرة للمفاصل في المستشفى الآخر الذي كنا نزوره للدروس العملية وهو مستشفى (كي دي شولياك Guy De Chauliac). ابتدأنا بدروس نظرية معمقة ومتطورة في فسلجة الجهاز العصبي والتشريح, ثم محاضرات عن التأهيل الطبي وامراض المفاصل وكيفية معالجتها.
التقيت بأحد المدرسين الشباب الذين كانوا يعملون في نفس المستشفى بعد مرورثلاثين عاماً في مؤتمر طبي في (عمّان-الأردن)! كان اسمه (بليسيهPelisier) وعندما حييته ذكرتّه بأنني كنت أحد طلابه وإنه كان يدخل غرفة الدرس وهو يحمل (خوذة) (الدراجة النارية) التي كان يقودها, حيث يضع الخوذة على المنضدة ويعطي المحاضرة! ثم يرتديها ويغادر! وهو أمر غريب بالنسبة لأساتذة الطب الذين عهدنا فيهم الأناقة!, عندما ذكرته بذلك, استغرق في الضحك وطلب مني اعادة القصة أمام احد أصدقائه الفرنسيين الذي ربما وجدها معلومة مسليّة!..
في بداية دوامي في المستشفى وجدت ان عددنا في ذلك الاختصاص كان خمسة فقط. كان هناك ثلاثة طلاب فرنسيين وطالبة سمراء ذات شعر مجعد قصيرة وتميل للسمنة عرفت فيما بعد أنها من جزر (الريونيونReunion). مر الأسبوعان الأولان دون ان يتحدث أحد معي من زملائي!, وكان يبدو عليهم الحذر وربما التخوف مني؟! وشعرت كما لو أنني كنت مصاباً بالجذام! ثم شيئاً فشيئاً بدأوا يتحدثون معي ويعرفونني بأنفسهم. و بعد ان حدثتهم بخبرتي في الطب وتحديتهم في عدد حالات الأمراض التي مررت بها وبذا ادهشتهم! (وقد حكيت في صفحة سابقة كيف تحديتهم ان كانوا قد حضروا حالة لمريض مصاب بداء الكلب! فغروا أفواههم ثم بدأوا يستفسرون و بفضول شديد عن كل تفاصيل ذلك المرض النادر)!, ثم بمرور الوقت صار اثنان منهم من أعز اصدقائي.. كان هناك الشاب الطويل (تريستانTristan) والذي كان يحمل (اسم شهرة) أمريكي لأن أباه كان جندياً امريكياً قد (عاشر) أمه بعد الحرب العالمية الثانية ثم تركها لتربي ابنها لوحدها!! الطالب الثاني الذي صار صديقي كان (دانييل ديلرانDaniel Delran) والذي ما أن صرنا اصدقاء حتى دعاني لحضور حفل زفاف اخته في مدينة (نيم Nimes) القريبة. وفعلاً ذهبت مع زوجتي وابنتي الى (نيم) لأجده واقفاً في انتظاري عند باب البيت مع أبيه وأمه واحتفوا بي بحرارة وحميمية, وأولوا عائلتي الصغيرة اهتماماً بالغاً ربما فاق اهتمامهم بإبنتهم العروس, وعندما أدركت أن معدن فرنسيو الجنوب هو معدن طيب كريم!.
بعد تلك المناسبة دعوت (دانييل وترستان) الى شقتي حيث أعدت لهم زوجتي غداءً فاخراً تناولوه بنهم شديد وكانت زوجتي تراقبهم وهي تضحك عندما أكل كل واحد منهم عشراً من (كبة الحلب) وقد التهموها بعد ان اكتشفوا انها الذ طعام في الوجود!! وهي تقول "المفجوعين.. راح يموتون.. من كثر ما أكلوا كبة!"
ثم دعانا كل منهم الى شقته حيث استضافنا كل منهم مع (خليلته concubine) التي تعيش معه وقد اشترطت عليهم أن يكون الطعام لا يحتوي على لحم أو دهن خنزير ولا يتم طبخه بالكحول!. وهكذا صرت متيقناً تماماً أن الفرنسيين لا يخالطون بسرعة, وتجدهم يقتربون منك بحذر, ولكن ما أن يطمئنوا لك ويأمنوا جانبك حتى يصير كل واحد منهم أخاً لك لم تلده امك! وبالفعل صار (ترستان) و(دانييل) من أعز اصدقائي وبقيت تلك الصداقة لسنين طويلة حتى بعد مغادرتي فرنسا.
بعد أن ابتدأنا بالدراسة الصباحية في (التأهيل الطبي), حثني زملائي أن ابادر بالتسجيل في دراسة قد افتتحت مؤخراً في إختصاص (الطب الرياضي) وجميع محاضراتها (مسائية) بمعدل ساعتين في ثلاث ليالٍ اسبوعياً, كما يكون هناك (تدريباً عملياً) في أثناء عطل (نهاية الأسبوع) في مراكز الطب الرياضي في مونبلييه, وهي دراسة مدتها (سنة واحدة) فقط تمنحك شهادة اختصاص (CES) في الطب الرياضي. قام جميع زملائي بالتسجيل فيها فسجلت أنا ايضاً, ولم لا؟ ما دامت الدراسات العليا في فرنسا جميعها (مجانيّة)!. وهكذا صرت احضر الدروس صباحاً وليلاً في كلا الإختصاصين!
ملاحظة ( تؤمن فرنسا بتوفير المساواة والحرية للجميع حتى الدراسة الجامعية و في إختيار الكلية التي يرغبون في الدراسة فيها مما يؤدي أحياناً الى وضع غريب وربما مضحك! فمثلاً عدد المقبولين للدراسة الأولية في كلية طب مونبلييه في ذلك العام في الصف الأول كان ألفا طالباً, تتم غربلتهم جميعاً بالإمتحانات, بحيث يصعد الى الصف الثاني منهم مئتا طالب فقط! لذلك تجد المئات من الطلبة اللبنانيين والفلسطينيين يتباهون على معارفهم بأنهم طلبة في الصف الأول في كلية الطب, (وربما يبتزون اهاليهم مادياً بحجة كونهم طلبة طب!), إلا أنهم لا يفلحون في الوصول الى الصف الثاني ابداً)!
البنت السمراء القصيرة السمينة كان اسمها (صوفي) وهي من إحدى المستعمرات الفرنسية (الريونيون), كانت أم وحيدة لطفل لا أدري ما قصة ابيه! (لا يمكنك أن تسأل لأن هذا يعتبر تدخل في شؤون خصوصية)!. هذه الفتاة نظرت لى بعين الشفقة والتعاطف لكوني مبتدءاً باللغة الفرنسية فقررت ان تساعدني! وان تكون دراستنا وتحضيرنا للامتحانات دوماً سوية, وقد رحبت بشدة بهذه الفكرة, فأنا متعود منذ كنت طالب طب في بغداد أن أدرس مع احد أصدقائي ولا أدرس لوحدي!. كانت تقرأ لي المحاضرات ببطء وتشرح لي معاني البعض منها كي نحفظها, وبقينا طوال الوقت هي من تقرأ وأنا من يستمع! لأنني عندما كنت اقرأ لها كانت لا تتمالك نفسها حتى تستغرق بالضحك, احياناً تنتابها هستريا الضحك! سألتها ما الذي يضحكها عندما أكون أنا من يقرأ المحاضرة؟.
قالت لي " هل رأيت فيلم (النمر الورديPink Panther?)
أجبتها "نعم"
قالت "مالذي كان أكثر ما يضحكك في شخصية (المفتش كلوزو)؟"
أجبتها "كان يتحدث الانكليزية ب(لهجة فرنسية) مضحكة)!!
قالت "وانت تتحدث الفرنسية ب(لهجة انكليزية) مضحكة"!
بقيت حائراً فهناك من (إتهمني) بأنني أتحدث الفرنسية بلهجة (سوق حمادة) العراقية! والآن يخبرونني ان فرنسيتي بلهجة انجليزية! لا أدري كيف تكون لهجتي (عراقية وانجليزية) في آن واحد!!
((سوق حمادة) محلة شعبية قديمة في الكرخ ولدت فيها وعشت فيها السنوات الخمس الأولى من حياتي).
في أكثر من مرة وأثناء العام الدراسي, كان البروفيسور (سيمون) يطلبني لمقابلته ويقترح أن اشتغل عنده في المستشفى ك(طبيب مقيم) براتب كامل! الا انني كنت دوماً اتحجج بشتى الأعذار, ولكن السبب الوحيد الذي كان يعيقني هو انني لم اكن واثقاً تماماً من جودة لغتي الفرنسية, وكنت اخشى ان اعرض حياة أحد المرضى للخطر بسبب ضعف تلك اللغة عندي! (بعدها ندمت أشد الندم على اضاعتي تلك الفرص, فربما كانت ستوفر لي الضرف المناسب لتعلم اللغة بشكل افضل)!
في نهاية السنة الأولى من دراستي لل (طب الرياضي (المسائي)) حان وقت الإمتحانات النهائية. عرفت ان امامي اختيارين: اما امتحان (تحريري) وبعده امتحان (شفهي), أو الإختيار الثاني أن اعد (اطروحة) ثم امتحان (شفهي), وبما ان لغتي الفرنسية لم تكن بالكمال المنشود فقد اخترت الحل الثاني, وحصلت الموافقة من جامعة مونبلييه على أن تكون إطروحتي عن (الطب الرياضي في العراق).
كان النظام في العراق آنذاك, والتي كانت بسبب الغنى الفاحش الذي هبط على العراق من السماء في تلك الفترة, أن كل (مبتعث) او (طالب زمالة) او (اجازة دراسية) كان له الحق بالحصول على تذاكر طائرة مجانية ذهاب وعودة ب(الخطوط الجوية العراقية) هو وعائلته مرتين كل عام, وذلك لتخفيف الشعور بالحنين للوطن و لإبقاء الطلبة مرتبطين ببلدهم العراق. وفعلاً استفدت من تلك (المكرمة) وزرت اهلي مرتين حيث قضيت شهراً في بغداد في كل مرة منهما.
أصابني القلق والإحباط والانزعاج في كلتي المرتين عندما كنت ازور زملائي وأساتذتي في (مدينة الطب) وفي (معهد العلاج الطبيعي), حيث كانوا يسألونني عن (دراسة الطب) في فرنسا (هل تدخلون ردهات المستشفى؟ وهل تفحصون مرضى؟ هل تضعون يدكم على المريض؟ ما اسم الشهادة؟ ماذا تعني الحروف التي تتكون منها تلك الشهادة؟)!. واحسست انني سوف ابقى (متهّماً) طول حياتي اذا رجعت من فرنسا ب(شهادة الاختصاص الفرنسية)!. سوف يبقى الآخرون ينظرون الى شهادتي ب(ريبة وشك) وربما (باستخفاف)! بعكس من يحصل على الشهادة من (بريطانيا) إذ لا ريبة ولا شكوك ولا نظرات تحمل أكثر من معنى!.
وبدأت -ولاول مرة منذ أكثر من سنة- أتململ من الدراسة في فرنسا, وأعيد النظر في حساباتي, رغم انني كنت سعيداً جداً مع عائلتي, بوجودنا في دولة (صديقة للطلاب) وفي مدينة رائعة جداً.

تاريخ جميل وقصص اروع أستاذنا الفاضل
ردحذف