4-3 عندما ماتت صبيحة

 


4-3 عندما ماتت (صبيحة) 

        (معهد العلاج الطبيعي  1977 -1979)



  من الشخصيات الطريفة التي لاتنسى هو المرحوم (خزعل ذياب). كان طبيباً ممارساً في الأمراض الصدرية, قبل أن يحصل على بعض التدريب في (التأهيل الطبي) وينقل الى (معهد العلاج الطبيعي) كطبيب ممارس في (التأهيل الطبي).
(خزعل ذياب) جذوره من الناصرية أظن (سوق الشيوخ), وهو من الأقارب المقربين ل(ناجي طالب) رئيس الوزراء في فترة الستينيات. انسان لطيف ووديع جداً ومسالم مع الجميع, لكنه كان بارعاً بنوع من (السخريةSarcasm) التي يمكن وصفها ب(السخرية السوداء)!.
في الفترة التي داومت فيها في (معهد العلاج الطبيعي) وفي يوم 19 تشرين الثاني 1977 حصل حدث سياسي مهم على الصعيد العربي والعالمي, وهو زيارة رئيس مصر (أنور السادات) إلى إسرائيل ولقائه الشهير برئيس وزراء إسرائيل (مناحيم بيغن) وبدء عملية السلام والتطبيع مع إسرائيل!. كانت تلك الخطوة قد هزت العالم العربي كله, ووقف العراق في طليعة الدول العربية المعارضة لهذا السلام, وتقرر ان يقيم العراق مؤتمراً قمة طارئاً لكل الملوك والرؤساء العرب فوراً وفي بغداد!..
المشكلة آنذاك ان بغداد كلها لم يكن فيها فندق خمس نجوم يمكن أن يستضيف مستوى ملوك ورؤساء!!.. تلك الشخصيات المهمة في العالم العربي, وكان لابد أن يكون هناك حل لتلك المعضلة.
فوراً قررت الدولة ان تطلب من سكان القصور الجميلة الواسعة في (شارع الاميرات) في (المنصور) أن (يتبرعوا) بإخلاء دورهم, واسكنتهم الدولة مع عوائلهم في الفنادق المتوفرة في بغداد لمدة أسبوعين لحين انعقاد المؤتمر وانتهائه.. اذكر ذلك جيداً لأن (خزعل ذياب) كان من الناس الذين تنازلوا طوعاً عن دارهم ليستضيفوا تلك الشخصيات. قامت أجهزة الدولة فوراً بوضع يدها على تلك الدور واستبدال اثاثها بأثاث إيطالي حديث, كما تم إجراء التحسينات الفورية على ما يحتاج منها, وجاء الرؤساء والملوك وسكنوا جميعاً في (شارع الأميرات) في المنصور!
انتهى مؤتمر القمة بقرار نقل رئاسة الجامعة العربية من القاهرة الى تونس ومقاطعة البضائع المصرية ووقف التعاون العسكري والاقتصادي مع مصر! ومن نتائج إتفاقية السلام تلك والتي استمرت مباحثاتها سنتين أن أعادت إسرائيل أرض سيناء الى مصر, كما توقف تجهيز إسرائيل بالسلاح من قبل أمريكا, الامر الذي أحرج (اللوبي الصهيوني) في امريكا, وربما كان ذلك (كما بينت ابنته لاحقاً), السبب في تدبير اغتيال للرئيس المصري والذي حصل في 1981.
(خزعل ذياب) كان يمتلك موهبة لم أر مثلها من قبل في أي طبيب قابلته في حياتي. الا وهي كونه (زجّالاً)! كان متمكناً جداً من ارتجال شعر (الزَجَل) وهو نوع من الشعر الشعبي ذو وزن وقافية بسيطة ومن الممكن إستعمال كلمات عامّية فيه مع الفصحى إن اقتضت الضرورة!.
من امثلة قصائد تلك الشخصية الظريفة المرحوم (خزعل ذياب) قصيدة عن إحدى الطبيبات كان اسمها الدكتورة (طَرَب) والتي سافرت الى خارج العراق قبل مباشرتي في المعهد ولم ألتق بها, ويبدو أنها كانت كريمة جداً مع زملائها فكانت تجلب (الكيك) بين حين وآخر, وتدعوهم لتناوله في الصباح إلا أنها احياناً تجد انهم قد سبقوها الى حيث تركت (الكيك) مخبأ في إحدى غرف العيادة الخارجية, وأكلوه كله, ولم يتركوا لها منه شيئاً!..
ساعد الله (طرب)                 قد رأت عين العجب
من بني (أشَعَب) من             كل من هـّب ودبّ
ذلكم (رضوان) إن             شاهد (الكيك) نَهَب!
شـأنـه شــأن الـذي             ما تغدى.. ماشرب!
(مِزهِرُ الطحّانَ) في             أمـرِهِ شئ عَـجـَب
ديـنَهُ.. ديـدَنـهُ أكلَ              سُحتٍ من (طرب)
صاحت (الحرمة) قف            واجتنب سوء الأدبّ!
قهقه (الطحان) من              قولهـا حـتى انـقـلب!
قائلاً... لا تشتمي                 ودعي عنك الغضب
إن جلبتِ (الكيك) لل معهـد.. فالأكلُ وِجِب!
شأننا نرقب دوماً ما تجودي عن كثب
ما أنا يا أخت لصٍ آكل (الكيك).. هَـرَب!
(رضوان) هو أحد الأطباء المقيمين الاقدمين الذين سبقونا.
(مزهر الطحان) رحمه االله, المذكور في القصيدة, تم سجنه ثم إعدامه في عام 1987 بتهمة الانتماء لحزب (الدعوة).
ومن الحوادث المهمة في ذلك الوقت كان إقرار قانون (عودة الكفاءات) من قبل رئيس الجمهورية (أحمد حسن البكر) ذلك القانون الذي سبب من المتاعب بحيث ينقل عن (أحمد حسن البكر) قوله إنه لم يندم في حياته مثل ندمه على سن ذلك القانون!. فالقانون كان هدفه إغراء العراقيين ذوي الشهادات العليا (ماجستير ودكتوراه) الذين يعملون في خارج العراق بأن يعودوا الى العراق ومن حقهم جلب أثاث منزل كامل و سيارة آخر طراز بدون ضرائب (كانت الضريبة آنذاك 200 بالمئة من سعر السيارة!) وكذلك يحصلون على قطعة أرض في منطقة جيدة وقرض 4000 دينار (حوالي 13000 دولار وهي كافية آنذاك لبناء بيت بمواصفات حديثة!) الخ من الامتيازات.
المشكلة التي حصلت ان جميع من كان يعمل اصلاً في العراق ولم يغادره وحاصل على الماجستير والدكتوراه (وهم مئات او الوف), طالبوا بأن يكون لهم نفس امتيازات الأشخاص العائدين من الخارج!, وتم لهم ما أرادوا!. ثم أخذ ضباط الجيش من حاملي رتبة (ركن) بالمطالبة بتلك الإمتيازات لكون شهادتهم تعادل (الماجستير)! بينما لم يعد فعلاً أي شخص من خارج العراق, والقلّة الذين عادوا, استلموا تلك المزايا, ثم غادر البعض منهم ثانية (مودعّين برعاية الله وحفظه)!.
المشكلة العويصة الأخرى أتت من بعض حاملي الشهادات المشكوك برصانتها! فمثلاً بعض الزملاء الأطباء حصلوا على شهادة الماجستير في (طب التأبير (طب الإبر الصينيةAcupunture) بزيارة واحدة خارج العراق أثناء عطلتهم الصيفية! وأحدثوا الكثير من اللغط والاحتجاج لأن (دائرة معادلة الشهادات) لم تعترف بشهاداتهم لقصر المدة التي قضوها للحصول عليها! وبالتالي لم يتوقفوا عن التذمر والإحتجاج وهم ينظرون بلوعة وحسرة الى سيارات (المرسيدس) التي حرموا من اقتنائها, او قطع الأرض والقرض المغري!
وهنا ارتجل (خزعل) شعر (زجل) في زملاء لنا كان لديهم (إختصاص) ب(طب التأبير) مشكوك في علمّيته وكانوا دوماً يتذمرون من حرمانهم من امتيازات الاعتراف بشهاداتهم:
ومعهدٍ قد حوى بعض البلاوى لداعي الشّرِ بعضهم تهاوى
زميلٌ يدعّي ما ليـس فيه يباري آخراً تلك الدعاوى
فواعجبي- امعهدنا تدنّى- الى التدريب في لبس الكلاوا؟
وهل دجّال كّيٍ في الصحارى بداعٍ ما لديهم قد تساوى؟
فذا يكوي بشيشٍ من حديدٍ يداوي السلّ او عرق النساوا!
وذا بالنغز يشفي كل داءٍ وفاق بمكره الُمّرَ ابن آوى!
وما التأبير إلا سُّر صينٍ ولكن ما شفى المرحوم ماوا!
وقد تمكنت -لحسن الحظ- من الحصول على بعض قصائده الزجلية والتي أعتبرها توثيقاً لأحداث وأسماء جميع الأشخاص الذين عملوا في (معهد العلاج الطبيعي) في تلك الفترة وصفاتهم وعاداتهم بطريقة ممتعة طريفة!..
كان (خزعل) طوال الوقت من أشد المعارضين لتحويل ال(معهد) إلى مستشفى!, فهو قد تعود منذ زمن على قضاء وقت سهل ومريح في العيادة الخارجية. وعندما جاء القرار وبجهود من د (زياد الراوي) ان تفتتح (اربع ردهات) في المعهد, ويكون هناك تمريض ومرضى راقدين وأرزاق للمرضى, وما الى ذلك من (دوخة رأس), فإن (خزعل) كان قد شكّل جبهة رفض لهذا المشروع الذي -برأيه- لن يأتِ من ورائه الا المشاكل!. وبعد معارضة شديدة وعلنية لفتح الردهات ولدخول المرضى فيها, وجد فرصته الذهبية ل(هجاء) الردهة بعد (موت) احدى المريضات اسمها (صبيحة), التي ادخلت الى (المستشفى) وكانت تشكو آلاماً في الظهر, وراجعت الدكتور(كامل غَرَب) في عيادته, وذكرت له كونها مريضة ب(تضيق الصمّام الإكليلي Mitral Stenosis, والذي كان سبباً في وفاتها ثاني يوم من إدخالها مستشفانا! ووقع الجميع في حيص بيص, فلا هم يعرفون كيف يتصرفون مع جثمانها!, وليس لديهم دفتراً لتسجيل شهادات الوفيات! وحل الذعر بالجميع في هذا المكان الذي كان نائماً مستمتعاً قبلها ببضع شهور!, فارتجل (خزعل ذياب) القصيدة التالية:
قسماً صارت فضيحة عندما ماتت (صبيحه)!
زارت الموما إليها معهداً تَرجو النصيحة
راجعت أكفأ شخصٍ أطنــب الكـلُّ مـديـحه
وِشَكَت حالاً, وكانت في بلاويها صريحه
"إن لي في القلب داءٌ ومن الظَهرِ طريحة"
قال: "ما للقلب أشفي " "إنما الظًهرُ اريحه"
أدخلوها مثـلَ شــاةٍ أصبحت صُبحاً ذبيحة!
مَن شَكَا أوجاع ظَهرٍ هل ترى الموتَُ يُريحه؟
وإذا ما ماتَ (سهواً) فهل الشرعُ يـبـيحه؟
قسماً اضحى فضيحة بيننا موت صبيحه!
رحم الله د(خزعل ذياب) الطبيب الساخر والشاعر الزجّال. وعندي منه قصائد اخرى ربما ستذكر في مواقف اخرى!.





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

4-2 بكرين و صدّامين وأربع قصص حزينة

2-7 مستشفى طوارئ الرصافة

3- طبيب... عتوي