4-1 إقامة قدمى في أمراض المفاصل
4-1 إقامة قدمى في أمراض المفاصل
(4-1 إقامة قدمى في أمراض المفاصل
(نيسان 1977-كانون 2 1979)
انتهى العام الذي قضيته في (المركز الصحي في الثرثار) وحصلت على انفكاك من (دائرة صحة صلاح الدين) بدون بديل, ودعّت (سامراء) التي قضيت فيها اياماً جميلة لا تنسى.
في بغداد راجعت (دائرة محافظة بغداد) التي كان لايزال مقرها وجميع دوائرها في بناية (القشلة) العثمانية القديمة! راجعت أحدى الغرف المطلة على الساحة المستطيلة التي يتوسطها (برج وساعة القشلة) وطلب مني الموظف المختص ان ازوده بإيصالٍ (مزّورٍ) بشاحنة نقل اثاث من (سامراء) الى بغداد, وذلك لكون كتاب نقلي الى بغداد ينص على كونه (بناءً على مقتضيات المصلحة العامة), وبذا تم صرف مبلغ (أربعين ديناراً) ك(مصاريف نقل موظف مع عائلته و أثاثه)! وهو مبلغ لابأس به, يساوي ثلثي راتبي الشهري! .
في اليوم التالي راجعت (مديرية الأمور الطبية ) والتقيت بمديرها الدكتور (خلدون درويش لطفي) الذي سألني عن الإختصاص الذي ارغب ان اتدرب إقامتي القدمى فيه للسنين القادمة..
أخبرته "الروماتولوجي Rheumatology".
قال "هل أنت متأكد؟"
أجبته "نعم.. متأكد"
قال بشّك واضح "مو تجيني بعد اسبوع.. وتطلب مني تبديل الفرع؟"
قلت "كلا.. لن أفعل"
قال "ساوقّعك على تعهّد أنك لن تقوم بطلب تبديل فرعك!"
وقعتّ على التعهد!. بعد ذلك صدر أمر تعييني مقيماً أقدماً في (معهد العلاج الطبيعي)!
السبب في الإصرار على طلبي, هو أن (العلاج الطبيعي والتأهيل الطبي) كان من الإختصاصات التي لا تتضمن اقامة قدمى في السابق. ولكن في السنوات الثلاث الماضية تم استحداث ردهات لرقود المرضى المصابين بالتهاب المفاصل الرثوي والامراض الروماتيزمية الأخرى وذلك بجهود متواصلة وكثيفة من الدكتور (زياد الراوي), وتم لأول مرة استحداث اختصاص (أمراض المفاصل) أو (علم الروماتيزمياتRheumatology) في العراق, إلا إن التسمية بقيت (العلاج الطبيعي) ملازمة لهذا الإختصاص وملاصقة له! مما جعل الكثير ممن يقدم على طلب الاقامة القدمى فيه, يقوم بتغيير رأيه بعد بضعة أيام من الهمز واللمز بأنه (مدلكّجي), وتجعله يعيد النظر-مجبراً- في اختياره!
أما أنا فقد كان اختياري لهذا الفرع وبالدرجة الاولى... لأسباب مادية بحتة!.. فقد كان دوامي في (المركز الصحي في الثرثار) لا يشمل العمل مساءً في (العيادات الشعبية)! وبالتالي فإن راتبي الزهيد كان لا يكفي لمتطلبات حياتي الأسرية, وقد تزوجت في بداية التحاقي ب(القرى والأرياف). و كان زواجي سبباً في إغراقي بالديون حتى رأسي!.. وعليّ تسديد تلك الديون سريعاً وبالتالي كان يجب أن اتحرك بسرعة!.
عشقي لاختصاص (طب الأطفال) سوف لن يجدي نفعاً مادياً! ولن يسدد ديوني!, فالإقامة الطويلة فيه سوف تعني (إفلاساً مستمراً و مزمناً)!, أما (الروماتولوجي) فإن الإقامة القدمى فيه سهلة جداً, وقد علمت بأنها الإقامة الوحيدة المتوفرة حالياً والتي يمكن أثنائها (فتح عيادة) والعمل مساءً (رغم أن ذلك ممنوع رسمياً). وقد اطلعت من مصادر شتى على إن علم (طب المفاصل أو علم الروماتيزميات) هو علم حديث ومهم جداً وفي تطور سريع في العالم كله وليس في العراق وحده, لذا فقد توكلت على الله وقررت أن يكون هذا الإختصاص هو إختياري الوحيد.. وعن قناعة تامة!
باشرت في (معهد العلاج الطبيعي) في (العيواضية) في نفس ابنية (مستشفى الشعب القديم), والتقيت بمديره المرحوم (نوري مصطفى بهجت). هذا الرجل كان رائعاً بإمتياز, فهو (ابن ذوات) وصاحب اناقة (ارستقراطية) حقيقية!, والده كان آمراً للحرس الملكي, وذهب إلى (أمريكا) حيث تخصص ب(التأهيل الطبي والعلاج الطبيعي), كما كان مع (خالد القصاب) من مؤسسي حركة (رواد الفن التشكيلي) في العراق لكونه (رسّاماً) مبدعاً له معارض عديدة داخل وخارج العراق, اضافة لكونه (موسيقاراً) يعزف على أكثر من آلة موسيقية, و(رياضياً) شارك في العديد من بطولات التنس!.
المعهد كان يضم اربع ردهات اثنتان منها خصصت لمرضى المفاصل (نساء ورجال) واثنتان لمرضى (إصابات الحبل الشوكي وشلل الأطراف السفلى) (نساء ورجال). وكان الدكتور (زياد الراوي), والذي يعمل فعلياً في (مدينة الطب) منسبّاً لزيارة المستشفى صباح كل يوم لفحص ومناقشة الحالات المرضية وقد تعلمنا منه الشئ الكثير من العلم الحقيقي, كما كان هناك طبيباً شاباً قد حصل على الاختصاص مؤخراً من بريطانيا هو الدكتور (نامق الخطيب) كان له أسلوب شيّق في شرح تفاصيل أمراض المفاصل وكنا نستمتع بدروسه أثناء جولاته على المرضى. يأتي بعدهم بالأهمية المرحوم (مزهر الطحّان) الذي كان طبيباُ ممارساً في التأهيل الطبي ولم يسعفه الحظ بالسفر للاختصاص, إلا أنه كان متابعاً جيداً لمستجدات العلم, ولم يبخل علينا بأية معلومة علمية مفيدة. لآحقاً انضم الى فريق التدريسيين الدكتور (اسامة نهاد رفعت) الذي كان يأتي فجراً وقبل الدوام الرسمي, لفحص وظائف المثانة عند مرضى شلل الأطراف السفلى وقام بنفسه بصنع مقياس لضغط المثانة, و كان يرشدنا الى كيفية التعامل مع عدة أنواع من إضطرابات أو شلل عضلات المثانة.
كان هناك اطباء ممارسين آخرين اختاروا أن (يتقوقعون) في العيادة الخارجية (للمعهد) ولم يكن لديهم أي رغبة لا في الشرح ولا التدريس, بقيت علاقتنا طيبة معهم وعاملونا بكل إحترام وتقدير وهم الدكتور( هاشم العاني) و (كامل غرب) والمرحوم (خزعل ذياب)
في نفس الفترة التي باشرت فيها بالإقامة القدمى باشر معي زميلي (رؤوف رحيم ميرزا), ثم (طلال عبدالصمد) و(محمد صالح العزاوي) و كان هناك زملاء مقيمون اقدمون قد سبقونا بسنة واحدة وكانوا يستعدون للسفر في إجازات دراسية الى خارج العراق وهم (لؤي الخرسان) و (سرمد الكسار) و(عبد السلام القريشي) و(مشتاق عبدالاحد) و(سمير عبدالواحد) و(منذر نعمان ) و (مضر عريم), وتم اختياري من قبل مدير المعهد على أن اكون (رئيساً للأطباء المقيمين الجدد)!
في الأسابيع الأولى لي في (المعهد) تعرفت ايضاً على أهم منتسبيه والشريان الأبهر له. الست (كافي الاسدي) التي كانت مشرفة الردهات وكانت خريجة كلية التمريض وكذلك الست (اقبال غانم علي) المشرفة الثانية وكانو خير من ادار شؤون التمريض في المعهد وكانو يطبقون كل الاجراءات ذات العلاقة بكل ما يحتاجه مريض المفاصل الرثوي ومريض اصابات الحبل الشوكي وشلل الاطراف.
المنتسبون المهمون الآخرون هم (المعالجون الطبيعيون), كان هناك عدد جيد منهم من كلا الجنسين, وكانوا يمارسون عملهم بحرفية رائعة تحت إشراف وإرشاد مستمر من الدكتور (نوري مصطفى بهجت), وصرنا اصدقاء لهم كما تعلمنا منهم الكثير عن أصول ومبادئ العلاج الطبيعي. و كانت هناك ايضاً ممرضات وممرضين وهم المسؤولون عن رعاية المرضى الراقدين في ردهات المعهد, والذي كانت فيه (أول نواة لردهات أمراض المفاصل) في العراق, كما كانت فيه (أول نواة لردهات إصابات الحبل الشوكي).

تعليقات
إرسال تعليق