3-2 الحياة في سامراء

 3-2 الحياة في (سامراء)


نيسان 1976-  نيسان 1977

    منطقة (القلعة) يقطنها في الغالبية عشيرة ال (بو عبّاس), والذين ينتمي لهم (عبدالخالق السامرائي) أشهر مفكر في حزب البعث, والذي ألقي به في السجن مدة طويلة قبل ان يتم اعدامه لاحقاً  -وهو في السجن- رغم عمره الكبير, خلال حملة اعدام الرفاق الحزبيين الشهيرة في 1980.

       وخلال الأشهر الاولى من عملي في (المركز الصحي) استطعت ان اكسب ثقة وحب الناس في المنطقة, وصاروا يراجعونني في كل أمراضهم,  رغم أن قضاء (سامراء) فيها مستشفى لابأس فيه من ناحية الحجم, ويعمل فيه أطباء ممارسين في مختلف الاختصاصات مثل (الباطنية والجراحة والتوليد والأنف والأذن) وغيرها,  وبالتالي فان من مصلحة الناس في منطقة (القلعة) والعائدين جغرافياً الى مركزنا الصحي أن يراجعوا سامراء التي تبعد عنهم فقط مسافة عبور الجسر, على أن يأتوا الى مركزي الصحي المتواضع!.

     بعد الدوام الرسمي, ومن بيت الأطباء في (سامراء) وفي ليالي الصيف وهواء سد الثرثار المنعش, يكون عندنا فراغ كبير للتجوال في الأسواق والتعرف على الناس, لكنا كنا نحتاج الى من يقوم بتعريفنا بوجهاء سامراء وشيوخهم وأعيانهم. ووجدنا ضالتنا في زميل صيدلي اسمه (محمد علّو). كان يملك أكثر من صيدلية, وكان يستعمل سيارته القديمة يطوف بها في المدينة مصطحبنا معه, وبمعرفتنا به بدأت تنهال علينا دعوات العشاء من مختلف عشائر سامراء وأعيانهم. الناس هنا طيبون جداً وفي منتهى الكرم, والولائم التي يقيمونها .. كانت خرافية! وبعد الإنتهاء من تناول الطعام تبقى جالساً في مكانك حتى يأتيك اثنان من الشباب احدهم يحمل ال(سلبجة) وهو وعاء نحاسي ويصب الماء على يديك ويناولك الصابونة, والآخر يحمل (الخاولي) لك لتجفيف يديك.. آخر دلال!

     أثناء عملي في (الثرثار) كان أحد شيوخ الطريقة (الدراويش) يدعوني  لحضور حلقة ذكر ودعوته عن طريق بعض المراجعين من ألأهالي. وبما أنه لم يأت هو يزرني, فقد ارتأيت ان لاحاجة لي بشيخ الدراويش, فأنا ليس عندي الكثير من المشاعر تجاههم, ورغم تكرار الدعوة الى درجة انهم اخبروني ان شيخهم سوف يستاء و (يزعل), إلا انني اصررت على عدم زيارته وكنت اعتذر عن حضورها متعللاً بشتى الحجج والأعذار. بعد ذلك ضعفت مقاومتي تجاه (محمد علّو) وحضرت معه جلسة ذكر في وسط سامراء القديمة ابتدأت بالعزف على الدفوف وذكر الرسول (ص) وانتهت بكشف  شعرهم الطويل وضرب  جوانبهم بالحراب الحديدية وإدخال  مثقاب حاد في جوانب الوجه.. الى غير ذلك من أعمال خارقة, لكنها لم تزد من إيماني بالله شعرة, واعتبرتها بدعاً طارئاً على الإسلام الذي أعرفه!.

    من فوائد قرب (محطة قطار سامراء) وناظرها من  (مركزي الصحي), أنه عندما علم بأنني سوف أتزوج خلال بضعة أسابيع, وأرغب بالذهاب في (شهر عسل) الى شمال العراق,  فأنه تبرع أن يحجز لي مقصورة (درجة اولى) في القطار الصاعد من (بغداد الى الموصل), كما حجز لي غرفة في (فندق المحطة) في الموصل, والذي كان افضل الفنادق قبل بناء (فندق الموصل) و(شيراتون)!. ارسل برقية الى الجهات المعنية ثم أعطاني ايصالاً بالحجز دون ان اكلّف خاطري عناء مغادرة مكتبي في العيادة. القطار كان فيه غرف نوم مؤثثة بشكل لابأس به, ويرحب بك خادم عند الصعود حيث يقدم لك وجبة عشاء ومعها مشروبات ساخنة ثم يغادر ويطلب منك غلق ستائر المقصورة حفاظاً على الخصوصية!. وفي الصباح التالي وصلنا (فندق محطة قطار الموصل) الذي كان رائعاً,  حيث تعامل الموظفين المميز, وكانت جميع خدماته وبأدق التفاصيل كما هي منذ أيام (الانكليز), حتى نوع الفطور والصحون والملاعق وأثاث الغرف كلها كانت على الطراز (الإنكليزي)!.

  في (سامراء) كانت لنا امسيات جميلة قضيناها ونحن نزور حدائق (النادي الترفيهي لمعمل ادوية سامراء), والذي كان قطعة من الجنة, وككل النوادي الإجتماعية كانت تقام فيه أمسيات ال(بنكو).. وعندما كنا نمل من نادي معمل الأدوية فقد كانت امسياتنا في (نادي الموظفين) الملاصق للبيت الذي نسكنه.

في الأشهر الأولى لي في (سامراء) كنت مع صديقي الآثوري (نمرود) (والذي تعلمت منه كل عبارات الترحيب والمجاملة باللغة الآثورية), كنا نزور الصيدلية الخارجية للعيادة الشعبية, والتي كانت على مبعدة بضع امتار عن سكننا. هناك تعرفت بفتاة صيدلانية في منتهى الرقة والأناقة. جمع بيني وبينها حبنا للثقافة والأدب فكنت اتبارى معها واناقشها في الكثير من المواضيع الأدبية التي نقرأها, كما كنا نتبادل الكتب والمجلات الأدبية.. وإستمرت تلك (الصداقة الفكرية) طوال فترة عملي في (الثرثار). كانت الفتاة تعاني من حساسية مفرطة تجاه المجتمع الذكوري في (سامراء) وسوء تعامله معها, والذين ينظرون للمرأة على أنها (حُرمة), كما كانت تتألم جداً من أن الموظفين في الصيدلية يعاملونها على انها (جسم غريب) ومواطنة من الدرجة الثانية, لكونها ليست من أهالي المنطقة!. وسواء كان ذلك حقيقة أم لا فقد كنت احاول ان ارسم لها طريقة التعامل مع المنتسبين بشكل لايسبب لها معاناة أكثر مما هي فيه,   فجميع من حولها هو ابن عم وإبن خال, وهي الوحيدة التي ليس لها أحد يسندها.. وبقيت تلك (الصداقة الفكرية) بيننا الى حين انتهاء السنة التي عملت فيها في (الثرثار). أما انا فلم اكن اعاني شيئاً من ذلك اذ إن اخوالي من عشيرة البو (بدري), إحدى عشائر سامراء, وقد حرص  مضمد المركز الصحي (الحاج علي البدري) على تعريفي بأقربائي الموجودين في (سامراء) وربما كان لذلك اثر كبير على نوع الحياة والترحيب الذي كنت أتلقاه  في ذلك  المجتمع المحافظ.

  من الحالات الطبية التي لن أنساها هي أول حالة ل(تسارع القلب فوق البطينSupraventicular Tachycardia) تمر بي بعد تخرجي من كلية الطب. كانت تلك شابة في الثامنة عشرة من عمرها, جاءتني برفقة أختها البالغة تسع اوعشر سنوات. شكت لي من إحساسها بسرعة نبضها وبمجرد وضع اصابعي على الشريان الكعبري وجدت ان نبضها يزيد على (150/ الدقيقة), نصحتها ب(مناورة فالسالفا Valsalva Manoevre) بأن تغلق انفها وفمها بأصابعها ثم تنفخ بكل قوتها وكررت المحاولة عدة مرات. وبلمس النبض وجدت أن ذلك لم يجدي نفعاً, طلبت منها ان تلمس لهّاتها باصبعها كي يحصل عندها غثيان أو تقيؤ, الا ان النبض بقي ثابتاً على أكثر من 150 !

       عندها لجأت للطريقة الأخرى وهي (مساج الجسم السباتيCarotid Body Massage) في الرقبة, بقيت ادلك به لبضع دقائق.. ونجحت في إعادة النبض الى رقمه الطبيعي وتحسن حال الفتاة فوراً.

  بعد ذلك أتت مرتين وفي كل مرة كنت احاول كل الوسائل قبل ان اصل الى اليأس ثم اقوم بإجراء (مساج الجسم السباتي), وفي كل مرة كانت المحاولة تتكلل بالنجاح.

     في المرة الأخيرة التي التقيتها بدأت بمساج الرقبة ببطء وبشكل دائري, ولكن ما أزعجني هو أنها (وأثناء إجراء المساج) صاحت بأختها تأمرها بمغادرة الغرفة! (هناء.. اطلعي)!! كنت اجري المساج وانا اصرخ (هناء.. ابقي.. لتطلعين!), وبقينا بتجاذب لفظي مستمر.. هي تصرخ بأختها أن تغادر الغرفة! وأنا اصيح بها ان تبقى بالغرفة, فهذه المدينة محافظة جداً وهذه الأمور يجب ان تعامل بحيطة وحذر شديدين, ولا  يجوز أن انفرد بالفتاة لوحدي! وكنت منذ البداية اشك في نوايا هذه الفتاة! إلا انني لم اعرف ابداً كيف كانت تتمكن من (إحداث) حالة تسارع القلب؟, ربما للحصول على (حصّة) من مساج الرقبة!. بعد تلك المناوشات من (هناء اطلعي, هناء ابقي) لم أر تلك الفتاة ابداً!


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

4-2 بكرين و صدّامين وأربع قصص حزينة

2-7 مستشفى طوارئ الرصافة

3- طبيب... عتوي