3-1 المركز الصحي في الثرثار.. خدمة القرى والأرياف

 3-1 المركز الصحي في الثرثار(خدمة القرى والأرياف)

نيسان 1975



       بعد التخرج والإقامة الدورية و(الخدمة الالزامية العسكرية),وضمن نظام (الخدمة في القرى والأرياف), تم تعييني في (المركز الصحي في الثرثار). كنت اظن انني سوف اكون في وسط وادي (الثرثار) وهو واد عميق يصب فيه الماء الفائض من نهر دجلة ليتم اعادته الى نهر دجلة في وقت شحة الماء, ثم أقيمت عليه قناة توصله بنهر الفرات لرفد شحة الماء الشديدة في الفرات.  ثم اكتشفت انه مكان متواضع غير ما كنت أتوقعه و أخشاه!.

     المركز الصحي يقع في منطقة تسمى (القلعة) أو (قلعة الثرثار) القريبة جداً من قضاء (سامراء) وفي نفس مجمّع الدور الملحقة بمحطة قطار (سامراء), تبعد اربعة اوخمسة كيلومترات عن مركز مدينة (سامراء), والتي تقع على الجانب الاخر من نهر (دجلة), فنحن في صوب (الكرخ) من دجلة, و(سامراء) في رصافتها,  ويربط بيننا جسر و(ناظم سدة الثرثار) ومحطة توليد الكهرباء التي على السّد.

     المركز الصحي عبارة عن دار تقع ضمن سلسلة بيوت متشابهة من الدور التي كانت تبنيها (مصلحة سكك الحديد) لموظفيها حيث أنها تجاور (محطة قطار سامراء). كان المركز الصحي يديره طبيب واحد وموظف صحي مشهور اسمه (الحاج جاسم),  ومضمد واحد هو (الحاج علي). أمام المركز الصحي هناك وادٍ منخفض كبير هو (علوة بيع الرقّي), وكانت علوة كبيرة جداً تباع فيه العشرات من اطنان (رقّي سامراء المشهور بحجمه و بحلاوته) يومياً, كما يتم فيه بيع سمك الثرثار وهو مشهور ايضاً بأحجامه الكبيرة, وبعض الفواكه الأخرى.

    من الأمور الطريفة أن (ناظر) محطة قطار سامراء كان يسكن بجوار المركز الطبي وصار صديقاً لي, انسان طيب جداً نسيت اسمه, كان أباً لعشرة او احد عشر طفلاً!. لا ازال اذكر ابنته الصغيرة (ياسمين) التي كانت تأتي متدحرجة الى (المركز الصحي) وهي لم تتجاوز الرابعة من العمر, وكنت اسمع صوتها وبالكاد استطيع ان اراها من خلف الطاولة التي أمامي لصغر حجمها, وهي تقول لي بلفظ الاطفال  (دتوت.. اليد عب عامُض) (دكتور..اريد حب حامض),حيث كانت تعشق حبوب (فيتامين سي) الحامضة, وعندما اعطيها بضع حبات فإن احلى متعة عندها كانت بـ (لطع) تلك الحبوب ببطء وتلذذ وهي تغادر المركز متدحرجة كما جاءت!.

        (ناظر المحطة) كان مسؤولاً عن إعطاء أمر التحرك للقطار القادم من الموصل والذي كان يتوقف في (محطة قطار سامراء) في طريقه نزولاً الى بغداد. كان الأمر تحريرياً على ورقة رسمية, وعندما كنت اخبره ان في نيتي النزول الى بغداد فقد كان يبقي القطار بالانتظار, الى ان يرسل لي احداً من العاملين في المحطة يحمل معي امتعتي وحاجياتي ومعها (رقيّة) او (سمكه) جاءتني هدية من مريض ممتن, وينتظر حتى اصعد القطار قبل أن يعطيه امر الحركة!. وكانت هذه احد المزايا التي لم تكن لتحصل في بلد آخر, أن يبقى القطار بكل ركابه وحمولته منتظراً إلى أن أكمل عملي واركب فيه!. 

       لم يكن هناك سكن للطبيب في هذا المركز الصحي الصغير, لذا فقد علمت ان سكني سيكون في دار مجاور لنادي الموظفين في سامراء, وهي  دار قديمة عندما وصلته وجدت ان  هناك طبيب انف واذن (كاظم) واثنان من الصيادلة كانا في منتهى الطيبة احدهما كردي اسمه (دلير) والأخر آثوري اسمه (نمرود)..

     غرفتي التي علي السكن فيها خلال السنة القادمة كانت خالية تماماً من أي أثاث, لذلك ركبت في أول سيارة اجرة مرت بي الى تكريت حيث دائرة صحة (صلاح الدين), وعدت مع شاحنة محملة بثلاجة وسرير وفرش..الخ..

    بعد تعارفي مع جيراني في نفس السكن في بيت سامراء, اتفقنا على ان يقوم كل منا بتنظيف الجزء الخاص به, كما اتفقنا على ان يقوم كل منا بطبخ الطعام حسب جدول يومي! في الإسبوع الأول اكتشفنا ان د(كاظم) له نفس رائع في الطعام.. الأكل الذي يعده لا يمكن ان تجده في أرقى المطاعم.. هو (شيف درجة اولى بالفطرة!), وعليه توسلنا به على ان يكون واجب الطبخ عليه يومياً بينما نقوم نحن بجميع الأعمال الاخرى من غسل الصحون وتنظيف البيت..الخ.

    كانت هناك مشكلة المسافة الأربعة كيلومترات بين المركز الصحي الذي أعمل به والدار الذي سوف اقيم فيه في (سامراء), لكن المشكلة كانت أسهل مما كنت اتصور! فمنذ الاسبوع الثاني اكتشفت ان المهندس الأرمني الشاب الذي يدير  محطة توليد الكهرباء من السد, يسكن أحد البيوت القريبة من المركز الصحي, وهو ينقل زوجته طبيبة النسائية (أستغيك أسويان) يومياً من البيت الى المستشفى في سامراء, وبذا فقد صار يوصل زوجته صباحاً و يصطحبني معه من  بيت اقامتي, ثم وفي نهاية الدوام يأخذني الى بيتي في سامراء, ويجلب زوجته من (مستشفى سامراء)..  وبذا حلت مشكلة التنقل وبأسهل وأفضل مما كنت اتمنى..

    لم يكن عندنا في (المركز الصحي) عامل نظافة طيلة السنة التي قضيتها في الأرياف.  ورغم مناشداتي المتكررة (لدائرة صحة صلاح الدين), إلا أنهم (أعطوني الأذن الطرشاء)! ولم يردوا على مناشداتي. واضطررت الى أن اجد حلاً لتنظيف (المركز الصحي) الذي أنا رسمياً مديره, وذلك بابتزاز أحد الاشخاص ليقوم بتنظيف مكتبي وبقية غرف المركز الصحي!.  كان هذا الشخص يعمل بصفة (عامل تنظيف) في محطة القطار, كان شخصاً غريب الأطوار, غير متزوج رغم بلوغه الخمسين من عمره, وفيما يبدو أنه ليس له أي أهل ويسكن في زاوية من نفس المحطة!.  كان هذا الشخص مدمناً على الأبر, ولا يهمه أي ابر كانت!,  ولكن المفضل لديه كان ابر فيتامين (بي كوBCO) الصفراء ذات الرائحة النفاذة أو ابر (بي12), او اي ابر اخرى!. لم يكن يهمه مادامت (ابر) ويفضل لو كانت مؤلمة!.  احياناً كنا نزرقه ابر المحلول الملحي ويخرج سعيداً منتشياً!.  فشلت تماماً كل الوسائل في اقناعه او زجره او اهانته او تهديده!, حيث كان مدمناً نفسياً ومتعلقاً بالإبر منذ مدة طويلة قبل أن اصل انا الى المركز الصحي. واخيراً رفعت الراية البيضاء واستسلمت الى حقيقة ان ما دامت هذه الإبر غير مؤذية بطبيعتها, فان جسمه سوف يأخذ كفايته منها ويطرد الباقي في البول, فعلى الأقل يمكن أن استفيد منه بإبتزازه مرتين أو ثلاث اسبوعياً, حيث يقوم بتنظيف المركز الصحي  وكان يؤدي  ذلك بشكل جيداً جداً, قبل أن اعطيه حصته الأسبوعية من الابر!. وقد وجدت أن هذا هو الحل الوحيد امامي اذ ان مديرية (صحة صلاح الدين) لم يكن في نيتها ابداً تعيين أي عامل في مركزنا الصحي الصغير (المهمش)!. عرفت فيما بعد إن هذا الشخص مصاب ايضاً بمرض نفسي آخر هو هوس ارتداء ملابس النساء! ووضع المكياج والتبرج النسائي الكامل.. بعد انتهاء دوامه في المحطة!,  وكان يأتي احياناً لتنظيف المركز ولاتزال آثار احمر الشفاه او الكحل او مساحيق المكياج على وجهه! مما كان يسبب الغثيان والقرف عند رؤيته!. وكانت تلك أول مرة في حياتي اعرف فيها إن هناك مثل هذا النوع من الرجال في بلد محافظ مثل العراق ومدينة ملتزمة دينياً  مثل (سامراء)!. 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

4-2 بكرين و صدّامين وأربع قصص حزينة

2-7 مستشفى طوارئ الرصافة

3- طبيب... عتوي