2-17 أنت تكتب باليد اليسرى؟ اذاً أنت (يساري)!

   2-17 أنت  تكتب باليد اليسرى؟ اذاً أنت (يساري)!

     لم يمض على سجني في مدرسة الطبابة العسكرية اسبوعين او ثلاثة حتى حصل امر جلل في تلك المدرسة.. حدث اعتبر تأريخياً في ذلك المكان الغارق بالكسل والنوم!..

     جئت في صباح يوم بعد أن كنت قد بتّ الليلة السابقة في بيتنا,  رغم الأوامر المشددة, والتي كانت قد صدرت بأن نبيت (إلزاماً) في المعسكر!. وعند وصولي في الوقت المعتاد من الصباح الباكر للتدريب,  وجدت بقية الزملاء يقفون جانباً من ساحة العرضات التي نتدرب فيها كل صباح, متجاهلين ايعازات العرفاء بأن, بأن نصطف للتعداد والبدء بالتدريب, وهم يرددون لن نخرج للتدريب اليوم!

"قررنا... نسوّي إضراب!"

       كانت أسباب الإضراب هي ان وزارة الدفاع  قد أصدرت أوامر فوريّة, وبسبب حرب الشمال ضد (تمرد) (الملّا مصطفى البارزاني),  بأن تتحول دورتنا من دورة أطباء (جنود) الى دورة (ضباط) (احتياط) يكون رقمها (دورة ضباط مجندين 25).  صار من الممنوع أن نخرج للمبيت في بيوتنا, بل ويجب ان يكون مبيتنا جميعاً في المعسكر!.

     ولكن لم يتم تهيئة قاعات او أّسرّة او فرش او أغطية اللازمة للمبيتّ!. و زملائنا القادمون من المحافظات اضطّروا في الليلة الماضية إلى النوم بالعراء وبملابسهم التي يرتدونها وعلى حشيش الحدائق!. كان الوقت في بداية الشتاء ومعظمهم قد أصيبوا بنزلات برد شديدة. كذلك لم يكن هناك طعام يليق بنا ونحن الآن (دورة ضباط مجندين). بل لم يكن هناك طعام على الاطلاق!, عدا (الصمّون) واحياناً (الرقّي), الذي يجلبه بعض الإخوان ملفوفاً ببطانية يسحلونها على الأرض!.  وحسب بعض العارفين بالقانون العسكري, فإننا يجب معاملتنا ك(ضباط) بمنحنا طعاماً مميّزاً واسرّة وفرش واغطية صالحة لنوم مريح. كان ما زاد من معاناتنا إننا ومنذ التحاقنا بمدرسة الطبابة لم نلتقِ بأي شخص في مدرسة الطبابة برتبة (ضابط) لغرض التعارف او الاستماع الى شكاوانا,  وكل الذين التقينا بهم هما المدربّان الطيبان (عريف حميد) و(عريف ريسان)!.

  لكل الأسباب التي ذكرت  فقد قرر بعض الزملاء ان الاضراب وحده هو ماسوف يوصل اصواتنا الى من يهمهم الأمر!. انضممت و فوراُ بلا تردد إلى.. الإضرابَ!. 

    جاء العريفان الطيبان وحاولا اقناعنا وتهديدنا  و تخويفنا,  ثم توسلا بنا  وهما يعيدان عبارات الرجاء والتوسل:

"الخاطر الله... إلخاطر العباس, لاتسووّن مشاكل"!

   الا اننا نهرنا العريفان الطيبان (حميد) و(ريسان)!  و اخبرناهما إن قرارنا بالإضراب هو قرار نهائي لا رجعة فيه... ولن يكون هناك تدريب هذا الصباح!.

    بالنسبة للعريفين المسكينين فكما لو أن القيامة قد قامت!.انا متأكد ان الدنيا إسودّت بعينيهما, فقد تعّودا و لعشرات السنين إن الجندي يطيع الأوامر بلا نقاش. لم يسبق لهما أن يمر يوم من الايام ولم يذهبا الى ساحة العرضات صيفاً كان أو شتاءً, صحواً او مطراً. لم يسبق أن مّر صباح دون أن يدربا أحداً من الجنود.  ساحة العرضات بالنسبة لهما كانت الهواء الذي يستنشقانه كل صباح. ما حصل هذا اليوم بالنسبة لهما كان نهاية العالم! أن يرفض جنود الانصياع للأوامر!. ويبدو انهما ذهبا مهرولين -بعد ان فشلت كل محاولات الإقناع-الى الضباط المسؤولين عن (مدرسة الطبابة) واخبروهم بما حصل.

    قبل الظهر كانت هناك حركة كبيرة غير طبيعية في (مدرسة الطبابة) الغارقة في الكسل والنوم منذ سنين!. سيارات جيش عديدة دخلت ساحتنا فجأة, ولجنة من ضباط برتب مختلفة: (نقيب) و (رائد) و (مقدم) يبدو عليهم التجهّم والغضب والعصبية, قد جاءوا من وزارة الدفاع (مديرية الاستخبارات العسكرية) للتحقيق مع (الأطباء المضربين). إستدعوا  في البداية حوالي عشرين شخصاً, ابتدؤوا بالتحقيق المقتضب معهم, بينما كنا طوال فترة التحقيق واقفين بالاستعداد في ساحة العرضات. كلما ينتهون من أحد منهم يؤخذ مباشرة الى غرفة السجن!.

وصل الدور بالتحقيق الى زميلي (سعد الفحل) الذي حكى لي فيما بعد مادار بينه وبين المحققين,  سألوه:

س:  من الذي حرضّك على الإضراب؟

ج :  لم يحرضّني أحد!

س: كيف عرفت ان هناك اضراب؟

ج :سمعت ذلك من اصدقائي.

س: متى سمعت ان هناك إضراب؟

ج: سمعته هذا الصباح.

س :طيّب من هم اصدقاؤك؟

ج :جميع الدورة هم اصدقائي.

س :من هو صديقك العزيز جداً جداً؟

ج :كل الدورة هم اصدقاء عزيزين جداً!

س :دكتور.. انت طبيب ومثقف وذكي, اذكر لنا من هو أعّز اصدقائك, منو أكثر شخص ترتاح له؟

ج :زميلي.. سامي سلمان!

وأرسلوا (سعد الفحل) إلى السجن, ثم ونحن واقفون بالاستعداد  تم مناداة إسمي و استدعائي للتحقيق معي!   

    قبل الدخول على لجنة التحقيق أمرني العريف أن أخلع (نطاقي) (الحزام السميك العسكري), لكوني (مذنب)!.

س: إسمك؟

ج: سامي سلمان شهاب.

س: كيف اشتركت بالتمرد؟

ج: سيدي هو ليس تمرد.. بل إحتجاج!

س: وعلى ماذا الإحتجاج؟

ج: سيدي أمرونا بالبقاء والمبيت في المعسكر ولا يوجد لنا مكان للنوم!

س: ولماذا تم التوقيت في هذا اليوم (بالذات)؟ متزامناً مع التحرشات الإيرانية صباح اليوم على حدودنا الشرقية؟.

وهنا فقدت اعصابي للحظة.. ووجدتني اجيب بصوت عالٍ وعصبية:

"سيدي.. يعني كوة تريدون تحطّوها بغير إطار؟ لا علاقة لنا بالتحرشات الإيرانية.. زملائي قد ناموا في العراء, بعضهم قد تمرض من البرد, وبما أننا الآن دورة ضباط احتياط فمن حقنّا أن يكون لنا مكان للنوم يليق بنا!.

  كان من الواضح استياء (لجنة التحقيق) من اجابتي بجرأة وبعصبية, وصدر الأمر فوراً بحبسي مع بقية الزملاء.. باعتباري أحد المحرضين!. وهكذا وجدتني امشي نحو السجن الذي جربت الاستمتاع به قبل أقل من شهر!!

       في طريقنا مع مجموعة من الزملاء مقتادين إلى السجن, مررت بزميلي (المصلاوي) (اياد الرمضاني), وفوراً طاف بذهني (وربما بذهنه هو ايضاً) كيف شاركنا بالإضراب في (مدينة الطب) قبل أقل من عام!, وكان (اياد) حينها قائداً لذلك الإضراب!. إلا إنه هذه المرة كان متبلد العواطف تماماً حيث خاطبني (بلا تعاطف) أو شفقة! وانا في طريقي للسجن بقوله: "هذا جيش يابه! هذا مو لعب جهال! هنا ماكو إضراب! هنا عقوبة شديدة"

(رغم أنني شاركت بالإضراب الحالي بالدرجة الاولى بسبب تعاطفي مع زملائنا القادمين من (الموصل) , والذين اصيبوا بالمرض نتيجة نومهم بالعراء الليلة الماضية) (في ذلك الوقت كان هناك ثلاثة كليات طب فقط في العراق: طب بغداد وطب الموصل وطب البصرة)..

  سرت في طريقي الى السجن وأنا مكتئب من كلمات صديقي (أياد) ودبت في قلبي قشعريرة خوف (ماذا لو كان كلامه صحيحاً؟.. وإن مافعلناه خطأ؟ وإننا ماكان لنا أن نقوم بالإضراب هذا الصباح؟)..

زميلي (قحطان حيدر) حدثّني عن ذكرياته في ذلك اليوم..  

" بعد أن نزعوا النطاق عني, وقعّوني على أوراق إفادتي, وقعّت (باليد اليسرى) لكوني (يسراوي)... گال لي المحقق:  ها انت "يساري"! (بگلبي گلت ياستّار.. هذا اولها)!

    وتم إصدار الأمر بعد التحقيق المبدئي بحقّنا (يوضعون في سجن مدرسة الطبابة لمدة عشرة أيام لحين البت في امرهم).

     فور دخولنا السجن انطلقت الهمهمات والشائعات, ان ما فعلناه يعتبر (عصيان و تمّرد) في  القانون العسكري, وأن عقوبته هي الإعدام! أو عشر سنين سجن.. إن حالفنا الحظ!.

   وكما فعلنا في المرة السابقة من السجن, فقد ابتدأنا سجننا (بحفلة طرب) من الغناء والعزف والرقص.. واستمرت حفلة العزف والرقص الى وقت متأخر تلتها العاب الورق من (بوكر) و (21). كان المسجونون هم من في أي مكان آخر يسمونهم ضمن قائمة (مَنْ هو) ( who is who) أي (قائمة المشاهير). غرفة السجن احتوت على كل من هو من عائلة مشهورة في العراق, أو كان والده سياسي أو عسكري كبير او عمه او اخوه!. كانوا مجموعة من خيرة عائلات بغداد وأعيانهم  وأغنيائهم, كما كانت تضم خيرة خريجي دورتنا و مثقفيها.

     لم تنته حفلتنا حتى الصباح فقد كانت الغرفة صغيرة جدأً لا تكفي لأن نستلقي جميعاً على الأرض الجرداء,  لم تكن هناك فرش تكفينا أو بطانيات, لذا فقد استمرت فترة لعب الورق والضحك والصياح, تتخللها (فترات راقصة)!.

     يبدو ان اخبار الـ (عشرين) طبيباُ ومن خيرة عائلات العراق الذين قد تمّ سجنهم قد هزت مكاتب المسؤولين في البلد,  وربما وصلت الى ديوان الرئاسة!. ولم يحن الظهر إلا وقد أطلق سراحنا!. وتمت معاقبة آمر (مدرسة الطبابة) بنقله الى وحدة  اخرى, ومعه بقية الضباط.  

   ولم يأت العصر من نفس ذلك اليوم, حتى جاء سرب من   شاحنات  الجيش تجلب الاسّرة والتجهيزات وتم تأثيث قاعات نوم جيدة, وفتح (بهو) للجلوس و بوجبات طعام (خمس نجوم)! إنتهى عصر (الصمّون الأسود والرقّي).. وبدأ عصر جديد لنا, وبذا نجح الاضراب!.

   من النتائج المزعجة للإضراب أننا فقدنا الكثير من الحرية التي كنا نعيشها سابقاً. فشهر العسل من الفوضى والراحة قد انتهى!. ألآن صار يأتي ضابط برتبة (نقيب) في الصباح الباكر يحضر التدريب و التعداد في ساحة (العرضات). وصار الضابط الكبير يسلمّنا إلى الضابط الاصغر وهذا بدوره يسلمّنا الى اصدقائنا الذين نحبّهم ويحبّوننا (عريف حميد) و(عريف ريسان)!.

 وصلني التعقيب من أحد المشاركين في الإضراب والسجن زميلي خضير عباس:

  كنت احد الذين لم نخرج الى ساحة العرضات ووجدت أن زملائي امتنعوا عن الذهاب للتدريب وقد علمنا لاحقا ان بعضهم قد التحق بالتدريب . جاء آمر المركز (عميد) وأمرنا بالتجمع والذهاب الى الساحة. جاء بعدها نائب ضابط وقرأ أسماء الذين تخلفوا و أخذونا الى قاعة في المركز واجتمع معنا نواب ضباط اثنان وطلبوا منا التكلم وكنت احد المتكلمين وقلت ان الموضوع لم يكن مسيّسآ الخ و سألوني عن إسمي حيث كانوا يسجلون أسماء المتكلمّين الذين تم استدعائهم وإدخالهم السجن!. في صباح اليوم التالي تم التحقيق معنا فرادى وكان كل من يرجع من التحقيق يبدو عليه الخوف! تم استدعائي أيضا للتحقيق وكانوا يعتبرون الاضراب له علاقة ب(تحرشات ايرانية) على الحدود. اتصل (مسؤول المركز الحزبي) تليفونياً الدكتور(خ خ) بأحد المحققين في الغرفة, وعندما عرفت المتصل طلبت من المحقق ان اكلم د (خ خ) واعطاني السماعة وأخبرته أن الموضوع ليس له أيّة دوافع سياسية. جاء (خ خ) وبسرعة وانفرد بي جانبا وشرحت له الموضوع بالتفصيل واقتنع بذلك لانه كان صديقي ويثق بي ، أمرهم باطلاق سراحنا. عرفت بعدها ان جهودا اخرى بذلت ومن ضمنهم الصديق العزيز (محمد السوداني) لإطلاق سراحنا . وهكذا انتهت تلك المشكلة بسلام بعد ان قضينا ليلة مرعبة و (جميلة)! في السجن!.

كما  وردني التعقيب التالي من الزميل حارث بلال:

عندما كنت في مدرسة الطبابة العسكرية في معسكر الرشيد سنة ١٩٧٤م. وفي أحد الايام  رأيت قسماً من زملائي ممتنعين عن استلام السلاح والذهاب إلى ساحة التدريب. سألت ما هو السبب؟ أجابوني لقد منعوا النزول اليومي لأننا ادخلونا دورة ضباط احتياط  ولكنهم لم يوفروا لنا الفرش ولا القاعات فالنتيجة نمنا بالحديقة بدون فرش. ولهذا نرفض الذهاب إلى ساحة العرضات للتدريب!. انا ذهبت واستلمت السلاح وذهبت إلى ساحة العرضات للتدريب برفقة قسم من الزملاء.

   بعدها بساعات انقلبت الدنيا ولم تقعد. جاءت الاستخبارات العسكرية والمكتب العسكري للحزب وكان قسم منهم أطباء من الدورة التي قبلنا. بدأوا استجواب الأطباء الذين كانوا حزبيين وأعضاء في (الاتحاد الوطني) معهم في الكلية الطبية. احد الأطباء المحققين صرخ على طبيب من دورتنا وقال له:

 " لك فلان اني راح اتخبل! انت شلون تشترك مع المتمردين؟ شنوا الأسباب؟ وتصور لو يوصل الخبر لإسرائيل وتصرح بوسائل الأعلام بأنه حدث تمرد في قلب معسكر الرشيد!".

اجابه زميلنا "نحن فقط اعترضنا على عدم اعطائنا الفرش!."

اجابه الطبيب المحقق: 

"تعرف ان ثورة ١٩٤١ بدأت لأن الحكومة وزعت (أحذية ضيقة) لطلبة إحدى الكليات؟".

 ظاهريا أغلق التحقيق ولكن استمر بالخفاء. يعني لو لم يكن مع الممتنعين عن التدريب (أطباء بعثيين) كان أعدموا المتمردين لأن البلد بحالة حرب الشمال!.

 كما وصلني التعقيب التالي من الزميل نوفل نذير:

الله ابو السوم كم استمتعت بهذا المقال : انا اتذكر هذا اليوم جيدا  فقد أتيت من بيتي مثلك, لاجد زملائي قد اعلنوا الاضراب.. وقد انضممت له فورا!

وبعد حوالي الساعتين وصل المساعد وهو برتبة (رائد) وعيناه تقدحان دما! ثم بعدها دعينا الى قاعة المحاضرات حيث تكلم البعض عن السلبيات والنقص في الخدمات وبعدها ادخلوا كل من تكلم السجن!.

ولكني لم اتكلم في الاجتماع! وكنا نحن في مدرسة الطبابة بينما زملائنا في السجن نضرب أخماسا بأسداس حتى أن البعض كان يقول إن ما قاموا به هو (عصيان) والعصيان في الجيش عقوبته الإعدام!.

 كما وردني التعقيب التالي من الأخ علي الدباغ:

يبدو أن الأمر صار معكوساً فبدل "السجن للرجال" صار "الرجال للسجن" وهكذا صار الكثير ممن كان يعتقدُ نفسه رجلاً يخاف السجن و يجتنبه! وانت يا أبو مروة لا تخاف في الحق لومةَ لائم.. بقيتَ عندما فرّ الكثيرون.. ووفيتَ عندما أداروا ظهورهم للمبدأ.

وأنت أنت(You are you!) على وزن  (Who is who) ويراعُكَ يُدَبّجُ الجمان يطرّز به القراطيس.. انت انسانٌ موهوب وصديقٌ أفتخرُ بصداقتهِ..


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

4-2 بكرين و صدّامين وأربع قصص حزينة

2-7 مستشفى طوارئ الرصافة

3- طبيب... عتوي