2-9 أصابع الدجاجة .. ومستشفى طوارئ الرصافة

 

أصابع الدجاجة.. و مستشفى الطوارئ...


   أ.د.  سامي سلمان

كنت اتصفح الاخبار عندما وقعت عيناي على الخبر التالي والذي نشر على نشرة (الواحات الطلابية) (بتأريخ 14/7/2004):

 "نجح جراح عراقي في إعادة زرع إبهام وسبابة فتى عراقي بتر إصبعاه في حادث عمل بعد نبش الاصبعين الذين قامت عائلته بدفنهما.وقال الجراح (....) أمس الثلاثاء في مستشفى الواسطي في بغداد:

"كانت عائلة الفتى قد دفنت الإبهام والسبابة وجزءا من اليد المبتورة قبل ساعات من إحضاره للمستشفى, طلبت من والده أن يجري إلى المقبرة لنبشها. وكان الطفل قد نقل إلى المستشفى قبل أسبوعين بعد تعرضه لحادث خطير في مشغل للقطع المعدنية". وقال الطبيب (...) :

"رأيت الفتى هذا الصباح، أصابعه في حالة جيدة".

ورغم الحرارة الشديدة في بغداد، تمكن الاطباء من خياطة الأصابع التي دفنت ثم اخرجت,  وأوضح الطبيب:

"أن المهلة المحددة لاستعادة الأعضاء حتى تبقى صالحة للزرع هي عشر ساعات". ولكنه قال: "قد تكون (المرة الاولى في العالم) التي يتم فيها اعادة زرع اعضاء بعد أن تم دفنها"!.

إنتهى المقال المنشور في الصحيفة.

    وطافت بذهني الذكريات ما أشبه اليوم بالبارحة !! وتذكرت عام 1973  عندما جئت كمقيم دوري في الشهور الثلاثة الثانية من الإقامة في مستشفى طوارئ الرصافة (والذي تم تغيير اسمه في ما بعد الى مستشفى الواسطي), في ذلك الوقت كان المستشفى يحتوي قسمين فقط قسم الجراحة وقسم الكسور وبعد ذلك بسنين عديدة،  اضيف اختصاص ثالث هو الجراحة التجميلية.

ما إن ابتدأت الدوام في مستشفى الطوارئ حتى عرفت ان قسم الكسور في المستشفى كان يعمل فيه جرّاحان استشاريان في اختصاص الكسور وهما الدكتور (مظفر كركجي) والدكتور(خيرالله فرجو), ولست اذكر ان كان هناك طبيب استشاري ثالث. كان يعمل لديهما اثنان من المقيمين الاقدمين (ماجد) و(سعد العاني) و اثنان من الأطباء المقيمين الدوريين, لم أتعرف اثناءها على أي من العاملين في قسم الكسور, لكوني كنت اعمل في قسم الجراحة فقط.

   ولكني عرفت فيما بعد ان الدكتور (خير الله فرجو) هو انسان فنان ورسام ويملك مواهب فنية رائعة متعددة وذلك من خلال المعارض الفنية التي كان يقيمها على هامش كل مؤتمر علمي سنوي لنقابة أطباء العراق.

       بعد اسبوعين او ثلاثه من دوامي في مستشفى الطوارئ أي في شتاء 1973  خرجت الصحف العراقية بقنبلة مدوية وبخبر هز بغداد والعالم العربي مفاده قيام أحد جراحي الكسور في المستشفى وهو الدكتور (خيرالله فرجو) بعملية اعادة (زرع كف) لأحد العمال بعد أن تم قطعها بآلة حادة أثناء العمل!.

       كانت تلك أول مرة تجرى فيها هذه العملية في بلد عربي وبإمكانات متواضعة,  حيث قام فريق يتكون من جراح الكسور (خير الله فرجو) وجراحي المستشفى بإعادة توصيل الاوتار الخاصة بالعضلات بين الساعد والكف المبتور, ثم اعادة تثبيت عظام الكف مع الساعد. ولا ادري ان كانت قد تمت محاولة لتوصيل الشرايين والاوردة والاعصاب وهو أمر فيه شك لان الجراحة في العراق لم تكن قد وصلت الى تلك الدرجة من التقدم آنذاك. فلا اظن ان ذلك قد حصل.

         كانت العملية مستمرة في صالة العمليات, عندما ذهب رئيس المقيمين في المستشفى الى جهاز الهاتف واتصل بالصحيفة الرسمية (الثورة), والتي ارسلت مصوريها و صحفييها لتصوير الأطباء والعملية ونشر الخبر بالمانشيت العريض. عندها دخلت مستشفانا بالإنذار بسبب اهتمام البلد كله بهذا الخبر, رئاسة الجمهورية ووزير الصحة والإعلام كلها تتحدث عن هذا الخبر الخطير الذي يعتبر ثورة في عالم الطب, يأتي من بلد فقير بإمكانياته وتجهيزاته وخبراته مثل العراق! وجاء وزير الصحة بنفسه في اليوم التالي ليهنئ الجراحين على هذا الانجاز.

  بالنسبة لنا وبعد يوم او يومين كان من الواضح للعيان أن الكف أخذ يزداد ازرقاقاً ثم إسوداداً واخذت تبدو عليه الوان الموت والغنغرينا!, وبعد ثلاثة او اربعة ايام كان لابد من (إعادة بتر الكف) التي كانت ميته اصلاً!. 

      كان رئيس الأطباء المقيمين يبحث عن الشهرة وكان همه اخبار الاعلاميين عن (نجاح) عملية اعادة زرع الكف المبتور وبعد بضع ساعات فقط على العملية كان الصحفيون يرون بأم أعينهم كيف أن المريض يحرك أصابع كفه المبتورة!, وكان ذلك كافياً لإقناع الصحافة إن العملية ناجحةُ!. فهم قد رأوا تحرك الاصابع عندما طلبوا من المريض ان يحركّها!. وقد شرح لي فيما بعد أحد زملائي الجراحين والذي كان يشعر بالمرارة من الحملة الإعلامية الضخمة التي أحاطت بالموضوع كله, إن هؤلاء الناس لم يكونوا يعرفون أن الأوتار عند توصيلها مع بعضها فإنها سوف تقوم بتحريك الأصابع حتى لو كانت الكف ميته تماماً, وهو نفس ما يحصل عندما كنا اطفالاً ونمسك بقدم الدجاجة المقطوع  ثم نسحب اوتار قدم الدجاجة فتتحرك اصابعها بالانكماش والانبساط, وهذا لايعني ان تلك القدم قد بعثت إلى الحياة!.

          ورغم أن الناس كلهم كان شغلهم الشاغل لفترة الحديث عن (الطب العظيم) في (العراق العظيم), الا ان احداً لم يقرأ على الاطلاق في اي جريدة خبر ان الكف قد (أعيد بترها) بعد  أيام قلائل فقط من تلك الحملة الاعلامية الكبيرة!.

    والحق يقال انني كنت اسمع من بقية الاطباء زملائي ان الدكتور (خيرالله فرجو) لم يكن راغباً في اثارة الحملة الاعلامية وأنه استهجن من رئيس المقيمين قيامه بالاتصال بوسائل الإعلام دون إذن منه, فهو لم يكن بحاجة الى تلك الضجة المزيفة التي أثيرت وإنتهت باعادة بتر الكف بعد ايام قلائل!.

      اكتب هذا وانا انظر الى الخبر الذي تم نشره عن ذلك الجراح (والذي بالصدفة يعمل في نفس المستشفى طوارئ الرصافة او الواسطي الذي أثار الضجة في شتاء 1973 ).. الذي طلب من الناس اعادة نبش الاصابع ثم اعادة زرعها عند المريض, وأتساءل عن الذي حلّ بتلك الأصابع بعد يومين او ثلاثة من عملية اعادة الزرع, وهل تم (إكرام الميّت).. تلك الأصابع.. ب(دفنها) ثانية فيما بعد!.


تعليقات

  1. كانوا ومازالوا يجيرون كل انجاز علمي لهم..وليس لهم فيه لاناقة ولا جمل..

    ردحذف
  2. نعم للأسف قبل 2003 كان منتهى حلم الطبيب أن يظهر في التلفاز في لقاء مع (صدام حسين).. اما الآن فمجرد الظهور في قناة فضائية مهما كانت مغمورة وتافهة... حب الشهرة احد امراض النرجسية...
    مع الود وبودي معرفة اسمك حيث يظهر امامي (قصد السبيل)...

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

4-2 بكرين و صدّامين وأربع قصص حزينة

2-7 مستشفى طوارئ الرصافة

3- طبيب... عتوي