2-8 تقدير درجة السُكُر

2-8 تقدير درجة السُكُر!

    أ.د.  سامي سلمان

ربما لم يكن مقدّراً لي أن أمارس ما تعلمته أثناء دراسة مادة (الطب العدلي) في الصف الرابع أبداً لولا مشيئة الله والصدفة أن يكون  تعييني في (مستشفى الطوارئ-الرصافة) في (العلوية), أثناء فترة الاقامة الدورية.

     كان ذلك في بداية شتاء 1973 كانت تلك التجربة العملية الحقيقية لما تعلمناه على يد استاذنا الرائع (أحمد عزت القيسي). كان مستشفانا لايبعد كثيراً عن تجمع البارات والنوادي الليلية والملاهي في بغداد, وكنا في أيام الخميس (وهو يوم السكر والعربدة عند مرتادي البارات والملاهي الليلية) نملأ دفتراً كاملاً من إستمارات تقارير قضايا الشرطة (الدفتر هو مئة صفحة مزدوجة كاملة). يوم الخميس كان يوم شرب الخمور ويوم المشاكل والمعارك عند (البغداديين الأصليين), فالمشاكل تكثر والمشاجرات والضرب بالهراوات والسكاكين وحوادث المرور تحت تأثير المسكرات.

في الأسبوع الأول لي في مستشفى الطوارئ في الرصافة وفي بداية تعلمي كيفية ملء إستمارة الطب العدلي أو ما يسمونه (دفتر قضايا الشرطة). كنت اجلس لصيقاً بالزميل المقيم الدوري الذي كان يسبقني بسنة, والذي يوشك ان ينفك الى الخدمة العسكرية, يعلمني ببعض التباهي, بخبرته التي اكتسبها طوال العام الذي سبقني فيه, كيفية التعامل مع قضايا الشرطة!.

   جاءنا شخص بصحبة شرطي ومعه كتاب من أحد مراكز الشرطة يطلب منا القيام بفحصه و(إعلامنا) إن كان تحت تأثير الخمر, وماهي درجة الُسُكُر لديه ( بضم السين والكاف اي درجة كونه سكراناً)!. بدأ زميلي تعليمه لي بأن ناولني القلم وسلمّني دفتر التقارير العدلية, وبعد ان دونت اسم الشخص ومعلوماته الشخصية طلب صاحبي من الشخص ان يقرّب فمه مني وينفخ ملء صدره في وجهي! شممت رائحة قوية تشبه رائحة الخل,  قال لي صاحبي -بلهجة المعلم الخبير-

اكتب :"تشم رائحة الخمر من فمه"

كتبت ذلك, ثم طلب صاحبي منه ان يمشي على الخط المستقيم على الأرض (وهو الخط المتكون من رصف البلاط– الكاشي-على الارض). لدهشتي واستغرابي تمكن الشخص من المشي على الخط مع ترنح بسيط الى اليمين واليسار. تصورت ان صاحبي سيطلب مني ان اكتب شيئا ما ولكنه لم يفعل, بل طلب من المشتبه به ان يرفع ذراعيه إلى الأعلى ويجلس القرفصاء (يكنبص) ! ثم ينهض دون الاستناد الى الحائط, لدهشتي تمكن الشخص من فعل ذلك!. طلب صاحبي من الشخص ان يرفع ذراعيه للاعلى ثم يقف على قدم واحدة ثم يقرفص على قدم واحدة فقط وينهض!.وتمكن الشخص من فعل ذلك!وهنا قال لي صاحبي: اكتب:

" درجة سكره شديدة"

احتججت على ذلك, وقلت له:

"حرام عليك يااخي! الرجل تمكن من عمل كل ما طلبته منه؟!"

أجابني صاحبي:

" خصوصا الحركة الاخيرة, هذه لا يستطيع فعلها إلا إذا كان سكراناً"!.

لكنه بعدها شرح لي ان في بعض الأحيان يكون من الأرحم كتابة ان الشخص كان تحت تأثير المسكرات خصوصاً في حوادث الاعتداء والمشاجرات لأنه قد تكون عقوبته مخففّة بعكس الذي يعي ما يفعل!.

     وفي احد المرات جيء بشخص ضخم الجثة, وفي هذه المرة كان يقوده اربعة من افراد الشرطة, ولأول مرة أرى شخصاً مكبلاً بالسلاسل حول ذراعيه وقدميه!. رفضت فحصه محتجاً على تلك القيود التي تكبله شفقة مني عليه ولصعوبة فحصه وهو بهذه الحال!, قال لي أفراد الشرطة متوسلين:

"دكتور نرجوك, الخاطر الله, افحصه مثل ما هو"!.

إنتبه صاحبي الطبيب الذي هو اقدم مني, والذي كان يشاركني نفس الغرفة رغم انشغاله  بفحص مريض آخر, وهمس في أذني:

" سامي.. افحصه كما هو!, أنا أعرف هذا الشخص, هو (كردي فيلي), يعمل حمّالاً في سوق (الشورجة), وعندما يسكر فإن هوايته المفضلة العراك, وإذا تدخلت الشرطه فانه يتمكن من ضربهم جميعاً ضرباً مبرحاً مهما كان عددهم  ثلاثة او اربعة أو ستة ولا يمكنهم القبض عليه الا بشق الانفس وتكبيله بكل هذه السلاسل كما ترى! وبمجرد ان نرخي هذه السلاسل فانه سوف يضربهم جميعاً (وربما نحن معهم) ولن يتمكنوا من السيطرة عليه!"

عندها اضطررت لفحصه كما هو, مخافة ان يحشرني مع أفراد الشرطة في هوايته الأسبوعية!.

   وفي مرة من المرات جاءني أمر من (ضابط تحقيق) في (مدينة الثورة) قطاع (...) يطلب مني فحص الموقوف (فلان الفلاني) و(إعلامنا النتيجة).  كان فلان قد جلبه شرطيان, مكبل اليدين بالاصفاد يدفعه المعين وهو على كرسي مدولب (wheel chair). ابتدأت بالتدوين بان تأكدت من اسمه وعمره وتفاصيل التعرف على هويته, ثم ابتدأت بالفحص (كسر الترقوة اليمنى), (كسر الترقوة اليسرى), (كسر كلتا عظمتي الساعد الايمن), (آثار عضّه بشريّة) حيث آثار الأسنان واضحة على (رقبته), عضّة بشرية اخرى على (كتفه), آثار عضات عديدة على (فخذيه وساقيه), كدمات على كتفيه ونزف تحت الجلد في كتفيه و فخذيه وساقيه. رفعت رأسي لاتفحصه إن كان فعلاً على قيد الحياة بوجود كل هذه الإصابات!. كان الشخص (مدشّدش) من رأسه الى قدميه!. 

"مالذي حصل؟"

(وجدتني أسأل بدافع الفضول وليس فعلا له أهمية للتقرير الطبي الذي أنا مستمر في كتابته, حيث اننا يفترض أن تكون تقاريرنا محايدة ولا نسأل عن حيثيات القضايا).

قال لي وهو ينتحب بالبكاء:

" دكتور آني... حرامي! راقبت احد البيوت في مدينة الثورة وتأكدت ان الرجال جميعا كانوا قد خرجوا الى تشييع متوفى الى النجف, و تسلقت سور البيت, وما ان وصلت الى داخل باحة البيت, حتى استيقظت (ام البيت) ورأتني وصاحت (حرامي)! واذا بها وبثلاثة كنّات  (زوجات أبنائها) يهجمن على ب(التواثي) (عصا غليظة), ويضربني بكل قوتهن وعلى كل جزء من جسمي, حاولت أن اتسّور الجدار مرة ثانية لاهرب ولكنهن استلمنني هذه المرة بالعضّ كما ترى!,  لم يتركن مكانا من جسمي دون عضه أو ضربه بتوثية!.  والله يادكتور لولا رحمة الله اراد ان ينقذني و بعث الشرطة ينتزعونني من بين أيديهن واسنانهن كنت ميت لا محالة "

        شعرت بالاسى عليه, كمية الأصابات التي كان مصاباً بها والكسور والعض والكدمات اقنعتني ان (الشرطه فعلاً في خدمة الشعب)! إذ لولا مجئ الشرطة يخلصونه من ايديهن, لكن قضين عليه!.

ثم همست في اذنه "ما الذي أوقعك بهذه الغولة وزوجات أبنائها!"؟. 

أجابني "حظي المصّخم!"



 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

4-2 بكرين و صدّامين وأربع قصص حزينة

2-7 مستشفى طوارئ الرصافة

3- طبيب... عتوي