2-12 مقيم دوري في مدينة الطب
2-12 مقيم دوري في مدينة الطب
ا د سامي سلمان
في منتصف كانون الثاني 1974 انتقلت من مستشفى (طوارئ الرصافة) الى مدينة الطب للتدرب على (الطب الباطني), وجدت إنني قد تم توزيعي الى (الوحدة الباطنية الخامسة) في الطابق الثامن.مستشفى (مدينة الطب) كانت مفخرة العراق كله.. كنا نشعر بالزهو والفخر ونحن ننظر جمال ردهاتها.. ومصاعدها اللماعة.. وارضياتها المطاطية التي لا تصدر صوتاً والمنحنية نحو الجدار كي لا تترك زاوية تجمع الأوساخ.. والمغاسل والصحيات التي استوردت خصيصاً من بريطانيا, ونصبت في كل غرفة من أربعة اسرة. والستائر الجديدة النظيفة, وقاعات الدرس المجهزة بالكراسي المريحة والمناضد. قاعتان الى اليمين والى اليسار في كل طابق. كانت آخر صيحات العصر وأجمل مما كنا نتخيل.
(المغاسل البلورية والصحيّات الانجليزية الرائعة في الحمّامات تم الاستيلاء عليها واستبدالها بأنواع مستورده رديئة الصنع أثناء (حملة التأهيل) التي أجريت على مدينة الطب عام2004 -2005).
رئيس الوحدة الباطنية الخامسة كان الرجل الحديدي (فرحان باقر) ... يساعده فيها (مهدي مرتضى) الذي كان في فترة اجازة مرضية طويلة ولم التق به طيلة عملي في الوحدة, و طبيبان كانا قد جاءا من امريكا حديثا هما (مصطفى سليم القماجي)... والدكتورة (سهى رسّام).
المقيم الاقدم ولولب الردهة النشيط (رشيد كمال رشيد), كان يحضٌر (للماجستير) او (الدبلوم في الطب) في نفس الوقت الذي يعمل فيه ك(مقيم أقدم). بدأت العمل مع ذلك الفريق و كان الطبيب الدوري الذي يعمل معي هو (أجمل مطلوب) وطبيبة (م م) كانت قد تخرجت من طب الموصل نسيت اسمها...
كان العمل في الوحدة الباطنية الخامسة ... عذاب ما بعده عذاب بل هو الجحيم بعينه!... فقد كان علينا ان نعمل بشكل متواصل كخلية النحل الى ما بعد منتصف الليل... ثم نأتي قبل الدوام الرسمي بساعة أي قبل الساعة السابعة صباحاً ... ونقوم بتحضير جميع أشعّات المرضى الراقدين... و نقوم بتقطيع ولصق كل تخطيطات القلب و ترتيبها بالتسلسل الصحيح داخل صفحة خاصة لها في طبلة المريض, ولصق جميع نتائج التحاليل بمكانها الصحيح في الطبلة.. والويل كل الويل لنا إذا كان هناك تحليل متأخر أو لم يتّم لصقه في الطبلة!, أو أشعّة ليس بها تقرير مطبوع!.. عندها يجب أن أركض الى شعبة الاشعة وأقف على باب (اختصاصي الأشعة) بذل وتوسل, للإسراع بإعداد وطباعة التقرير ثم الركض بكنزي الثمين إلى الطابق. كل ذلك يجب أن ينجز قبل الساعة الثامنة عندما تبدأ الدورة الصباحية على المرضى.
كان (رشيد) رحمه الله, مهووساً بالعمل. ففي منتصف الليل وعندما اكون غير قادر على الوقوف على رجلّي من شدة الإعياء والتعب يتصل بي من غرفته ويقول:" المريض سرير 12 إعمل له تخطيط قلب الآن، المريض سرير 15 إعمل له توقيت النزف وتوقيت التخثر، المرضى 20 و21 و22 و32 قم بأخذ الضغط للمريض وهو مستلقياً وجالساً وواقفاً"!! أمور لم امّر بها او أمارسها, وإعياء وتعب لم يحصل لي مثلهما، عندما اشتغلت مقيماً في (الباطنية) في مستشفيات بريطانيا!!
ولا اتمكن أن أنهي الاعمال التي كلفني بها المرحوم (رشيد) الا بعد الثانية صباحاً لأنه أثناءها يكون قد اتصل بي مرتين يطلب مني ان "اعمل كذا للمريض فلان، وكذا للمريض علّان"! وعندما اجرّ رجلي جرّاً وأعود الى دار الأطباء، والذي كان بيتاً قديماً متهالكاً قرب جسر الصرافية, فإنني لن أجد حتى بقايا وجبة عشاء!
في الوحدة الباطنية الخامسة, ومع فريق فرحان باقر, كانت الدورة الصباحية على المرضى تعذيب آخر!. جولة بطيئة جداً، يتم فحص ومناقشة حالة كل مريض وبدقة متناهية, ودراسة نتيجة كل تحليل و اشعّة و تخطيط! وكان القادمان من أمريكا ( سهى رسام) و(مصطفى سليم القماجي) لايتركان أي شاردة أو واردة! وتستمر الدورة الصباحية لساعات طويلة.. أحياناً الى الظهر!.
كان زملائي الذين يعملون في الوحدات الباطنية الأخرى يحسدونني لكوني أعمل في أرقى وحدة باطنية في العراق.. في كثير من الأحيان كان مريضنا أحد افراد عائلة (أحمد حسن البكر) رئيس الجمهورية وصديق (فرحان باقر) أو كبار المسؤولين المهمين.. ردهة في غاية الأناقة والترتيب والعلمية. لم يكن (فرحان باقر) يصدر توجيهاته او أوامره للمقيمين مباشرةً, وإنما كانت جميع التوجيهات تصلنا من خلال سكرتيرته الشابة (الست وداد العسافي) والتي كان لها غرفة (سكرتارية) خاصة في الطابق الثامن, وهو أمر لم يكن متوفراً لبقية الوحدات الباطنية الأربعة. ورغم انني وجدت العمل متعباً وشاقاً للغاية في تلك الوحدة، مقارنة بالفترة الجميلة التي قضيتها في مستشفى الطوارئ, إلاّ أن التعب والمشقة التي وجدتها في العمل مع ذلك الفريق الجاد كان له لذته، وجعلتني احب (الطب الباطني) كثيراُ وأجعله أحد خياراتي التي افكر في التخصص بها.
بعد حوالي إسبوعين من دوامي في الطابق الثامن, استدعيت ليلاً لفحص أحد المرضى الراقدين. كان يبلغ حوالي الخمسين من عمره, أخرج من (إنعاش القلب) قبل يوم واحد حيث كان راقداً بسبب إصابته (بالجلطة القلبية). وصلت إليه لأجده يصرخ من آلآمٍ رهيبة في رجله اليسرى, وعندما فحصتها هالني ما رأيت فقد كانت باردة وشاحبة اللون شحوب الموت.. وليس فيها أي عرق ينبض: لا الشريان الفخذي ولا الشريان المأبضي ولا الشريان الكعبري. ولا حتى في القدم.. لا يوجد أي نبض وكأن ذلك الطرف السفلي قد مات دون بقية الجسم, و كان يسبب آلاماً رهيبة. إتصلت فوراً بالمقيم الأقدم (رشيد) وأخبرته بالحالة. بعد دقائق جاء وفحص المريض معي. تم تشخيص المريض على أنه مصاب بانسداد الشريان الرئيس الذي يغذي الطرف السفلي الأيسر بسبب هروب خثرة دموية من موضع جلطة القلب الى الشريان الأبهر نزولاً الى مفترق الشريان الابهر السفلي حيث يتفرع الى فرع يذهب الى الطرف الأسفل الأيمن والآخر الى الطرف الأيسر وهو ما يعرف طبياً بمتلازمة لوريش (Le Riche Syndrome). إذاً فالأيسر مسدود كليّأً ويحتاج إلى عملية جراحية فورية لفتحه وإلا فإن فالطرف السفلي للمريض سيصاب بموت حقيقي, وإن تأخرنا بضع ساعات فيجب أن يبتر الطرف السفلي كله!. تركني (رشيد) اصارع لوحدي حيث كانت الساعة حوالي الحادية عشرة ليلاً عندما إتصلت بجراح الأوعية الدموية د (محمد صالح العاني), وشرحت له الحالة فأمرني أن أهيئ المريض لإجراء العملية فوراً وإنه قادم في الطريق. في منتصف الليل كان المريض على طاولة العمليات حيث فتح الشريان من أعلى مجراه ورفعت خثرة كبيرة سميكة, واستغرقت العملية حوالي الساعتين, وعاد اللون والدفء الى الطرف السفلي وزالت الآلام وتمكنّا من إنقاذه. وكان لي شكر وامتنان, ولا أزال أذكر الدكتور(محمد صالح العاني) بكل خير على إخلاصه في عمله ومجيئه بعد منتصف الليل لإنقاذ ذلك المريض المسكين الذي لم يكن له غيرنا سوى الله..
بعد ذلك بحوالي اسبوعين كنت في الردهة لا أزال منهمكاً في إنجاز طلبات لاتنتهي من المقيم الأقدم (رشيد) عندما ادخل مريض شاب في غيبوبة عميقة بسبب داء السكري. كانت عيناه غائرتان و جلده ولسانه متيبسّان تماماً و رائحة (الأسيتون) تفوح من فمه. تم تشخيصه سريرياً على إنه مصاب بغيبوبة بسبب (الحماض الكيتوني السكري Diabetic KetoAcidosis), وثبت ذلك بتحليل الدم بالطريقة البدائية آنذاك بمحلول (فهلنج), حيث كان مستوى السكر في الدم عدة مئات. وإبتدأت معه بإعطائه قناني المغذي لتعويض السوائل وإعطاء إبر (الأنسولين) بجرع متدرجة مع إعطاء كميات حذرة ومتدرجة من البوتاسيوم فضلاً عن العديد من قناني المغذّي والمراقبة والأدوية المستمرة, كان المريض قد عاد الى وعيه تماماً و لم اتركه وبقيت واقفاً على رجلي اركض له ومعه حتى الثامنة صباحاً!!
عندما بدأت الدورة الصباحية على المرضى. المريض كان راقداً في أحد الأسرة التي تعود لزميلتي (م م), وعندما أخبرتها بحالته وكيف أنه كان في غيبوبة الموت وعاد الى الحياة... فوجئت تماماً بردّة فعلها حيث قالت لي بغضب "لمَ لَم تستدعني لرعايته؟" قلت لها "كنت في الردهة وكانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل و أشفقت عليك من استدعائك في تلك الساعة المتأخرة" إلا أن غضبها واستياءها إستمر وفوجئت به!, فلم يكن يخطر ببالي ردّة فعلها العنيفة بدلاً من تقديمها الشكر لي على حسن تصرفي وصنيعي مع مريضها وإنقاذه, لم أنس ذلك الموقف ولا زلت لا أجد له تفسيراً رغم مرور مايقارب الخمسة وأربعين عاماً!
المقيم الأقدم والذراع الأيمن لفرحان باقر(رشيد كمال رشيد) ,حسبما عرفت في ما بعد, إنتقل للعمل في أمريكا. سقط ميتاً في عيادته وهو في ريعان شبابه, رحمه الله وجعل إخلاصه في عمله زكاةً له وكفّارة عن كل الذنوب وأدخله الله جناته.

ذهب مع الريح ، كانت صرحا علميا وطبيا لا نظير له في الدول العربية ، شهدت ومازلت أشهد حملات الترقيع والطلاء الرخيص والأثاث السيء في ٢٠٠٥ رأسا كيف جرى رمي الأسرة وآدابها بأخرى ذات نوعية رديئة وخلع كل الأبواب الاي كانت من خشب الحوز الثقيل وابدالها والابواب الموجودة حاليا وإزالة الرابط الخشبي على الجدران الذي من نفس نوعية خشب الأبواب وتبديله بشكل من نوع رخيص والتي لانهم ماذا السبب ،هي (راستة) لا تبلى ولا تخرب فلماذا رفعها وتبديلها، الذي كان مدير عام في تلك الفترة جاء من انكلترا خصيصا لهذا الغرض ودايما يدعو إلى مكافحة الفساد في صفحته عالفيس بوك وما خفي كان اعظم
ردحذفصدقت والله .. وحسبنا الله ونعم الوكيل
حذف