2-11 عندما هربت من سجن أبو غريب
2-11 عندما هربت من سجن أبو غريب

أ د سامي سلمان
أثناء إقامتي في الجراحة بمستشفى الطوارئ في الرصافة وصلني كتاب من (مديرية الامور الطبية) بتكليفي بالاقامة الدورية لمدة اسبوعين في ... (سجن ابوغريب)! السجن كان مبني حديثاً وعلى اعلى المواصفات في ذلك الوقت ربما كان عمره عامين او ثلاثة, ولكن كان ينقصه الأطباء المقيمين..
حملت أغراضي وباشرت في السجن, وقد خصصت لي غرفة وعيادة في سجن الأحكام الخفيفة..
السجن مقسم الى ثلاثة سجون محكمة منفصلة كل واحدة منها عبارة عن قلعة شديدة التحصين وهي سجن (الأحكام الثقيلة) وتضم السجناء الذين تزيد أحكامهم عن خمس سنوات وفيها عتاة المجرمين من قتلة ومرتكبي الجرائم الكبرى إضافة الى سجناء سياسيين شاء حظهم العاثر أن يحكموا بمدد تزيد عن الخمس سنوات.. وسجن (الأحكام الخفيفة) وهي للأحكام ما دون الخمس سنوات وسجن (الموقف العام) لمن لم تصدر بحقهم احكام وما زالت قضاياهم تتداول في المحاكم, رغم أن البعض كان يقبع فيه منذ أكثر من عام...
سجلت مباشرتي في مستشفى السجن والذي كان مقره في (سجن الثقيلة) حيث هو مستوصف وليس فعلاً مستشفى. فيه غرفة للإدارة واخرى للعناية بالمرضى واعطائهم السوائل الطبية وفيه عيادة للأسنان وأخرى باطنية وثالثة للجلدية وهناك صيدلية...
فور مباشرتي أفهمني المدير أن عليّ البقاء في المستوصف الذي سأشغله في سجن الأحكام الخفيفة, ثم المجيء بعد الدوام الرسمي بالإسعاف او سيراً على الأقدام مسافة مئتي متر تقريباً في الساحة التي تفصل (الخفيفة) عن (الثقيلة), الى سجن الثقيلة لتناول طعام الغداء ثم العودة الى مقرّي, والمجئ ثانية في المساء لتناول العشاء.. وحذرّني من أن معظم السجناء الذين يراجعون العيادة هم المدمنين على الحبوب المهدئة وسوف يفعلون كل ما يستطيعون من إدعاء واختلاق أعراض مرضيّة في سبيل الحصول على حبوب منومة او مهدئة أو مخدّرة... وفي نفس اليوم تمت مباشرة أحد الزملاء في سجن الأحكام الثقيلة لم أكن ألتقي به إلا في الساعة التي يسمح لنا بالمجيء لتناول الغداء والعشاء..
مرت الأيام الاولى صعبة ومتعبة في صراع مستمر مع السجناء للتيقن من أن أحدهم فعلا هو بحاجة الى المسكنات وليس من المتمارضين والمحتالين, كما كان عندي هاجس وتخوف من السجناء العنيفين والمدمنين فكنت أتعامل معهم بإنسانية ولكن بحذر!.
كان رعبي الشديد من أن أضطر لحضور عملية إعدام سجين... فمن الواجبات الملقاة على الطبيب المقيم ان يكون متواجداً طوال الوقت منذ جلب المحكوم للمقصلة الى نهاية تنفيذ إعدامه ثم فحصه بعد الإعدام واعطاء (شهادة الموت) بحقه... كانت هذه المشاهد قد تركت جرحاً عميقاً في نفوس زملائي الذين سبقوني بالتكليف بالاقامة الدورية في السجن واضطروا لحضور عمليات الإعدام, وكنت مرعوباُ لكوني كنت حديث التخرج لم يمض سوى خمسة أشهر على تخرجي من كلية الطب .. وكنت أقرأ يومياتهم المحزنة التي كانوا يسطرونها مرغمين في (دفتر موقف الخفارة) اليومي الذي كان كل منا مجبراً على كتابته وتقديمه صباح كل يوم ل(مدير مستشفى) السجن .. كنت اقرأ احياناً تقريراً كتبه طبيب وهو يرتعد و يبكي لما شهده من منظر مؤلم لعملية إعدام...
لحسن حظي فقد صادفت فترة تكليفي عيد الأضحى وبحسب القانون العراقي يمنع في تلك الفترة تنفيذ الاحكام بالاعدام.
في اسبوعي الثاني أصبت بآلام مبرحة في ضرس العقل واستشرت طبيب الأسنان والذي كان مسيحّياً من بيت (غزالة) اظن اسمه كان (قيس غزالة), والذي نصحني على الفور بأن يقوم بإقتلاع الضرس بعملية جراحية ً لكونه قد إنحشر داخل عظم الفك ونما افقياً وبدأ بإحداث ضرر وتآكل في الضرس المجاور له... قام د(قيس) مشكوراً بإجراء العملية والتي اضطر فيها الى ازالة جزء من عظم الفك, استمرت حوالي الساعة وما صاحبها من آلآم.. وقام بمنحي إجازة لمدة يومين..
يبدو أن مدير مستشفى السجن ظن ان العملية والإجازة كانت لعبة للتهّرب من الواجب, فرفض الموافقة على الاجازة وقام بشطبها وأمرني -رغم الآلام المبرحة في فكي- بالاستمرار في العمل والخفارة. وفي نفس ذلك اليوم وبعد انتهاء الدوام الرسمي وجدت أن الألم البدني والنفسي الذي اعاني منه اقوى منى, لذلك قررت (الهرب من السجن) ولو لليلة واحدة!. كلفت زميلي بالتغطية في مكاني, وبذا غادرت عدة بوابات, آخرها البوابة الخارجية للسجن ولوحت لأول سيارة اجرة اعادتني الى بيتي في (حي دراغ) في المنصور...
صباح اليوم التالي داومت كالمعتاد وقبل الظهر تم تسليمي كتاب (عقوبة توبيخ وقطع راتب أسبوع), حيث إن حّراس البوابة الخارجية للسجن قد وشوا بمغادرتي بعد الدوام لمدير المستشفى . جاءت العقوبة كالصاعقة بالنسبة لي , ففي ذلك الوقت كانت هذه العقوبة قد تصير سبباً في حرماني من الترشيح للدراسات العليا او البعثات مستقبلاً والتي هي حلم الجميع.
قام (الأطباء الدائميون) في مستشفى السجن, وهم الأطباء الممارسون الذين يأتون اثناء الدوام الرسمي فقط, بالتوسط لي والضغط على مدير المستشفى.. ولا أنسى بذلك الموقف النبيل للدكتور (هاشم العاني) الذي حاول المستحيل بإلحاحه المستمر على مدير المستشفى لرفع العقوبة, حتى وافق المدير على رفع تلك العقوبة عني.
تجربتي كطبيب سجن تركت ندوباً وآلاماً نفسية لا يمكن أن تمحى من ذاكرتي...
ذكريات سجن ابو غربب بقلم الزميل الدكتوراحمد اسعد السامرائي
أثناء فترة الاقامة الدورية في مستشفيات بغداد كان يتعين على بعض الأطباء المقيمين الذهاب بعد تنسيبهم الى مستشفى (سجن ابو غريب) لفترة شهر . كان هذا عام ١٩٨٨ وقد كان الوقت قد حان للذهاب هناك واستبدال أحد الأطباء الذين سبقوني هنالك تأخرت عليه ليومين لكون وجودي في المستشفى التي كنت اعمل بها ضرورياً بسبب نقص الأطباء في تغطية المناوبات. وكان طبيب سجن ابو غريب يتصل بي يوميا أكثر من مرّه لتسريع استبداله وفي اليوم الثالث ذهبت لأكون محله في المستشفى التابع لسجن ابو غريب. وعندما رأيته والتقيت به لاستلام العهدة منه وجدته في حالة نفسية يرثى لها لكون الأيّام تمر بطيئه في سجن ابو غريب وتكون منقطعاً عن العالم الخارجي وعن الحياة المدنية الحرة.
ومما زاد من حالة زميلي النفسية سوءاً هو أنه كان حاضرا في تنفيذ حكم الإعدام لبعض المحكومين وتحرير شهادة وفاة لهم. وهذه بحد ذاتها تمثل وضعاً غير مألوف وصدمة لطبيب حديث التخرج والإحساس بانها لاتمت لمهنة الطب بصلة.
وبقيت شهرا في المستشفى الصغير لسجن ابو غريب. كان هناك الاطباء الإختصاص الذين يحضرون من خارج السجن فترة الصباح فقط أما نحن فكنا نبيت ونقيم طيلة الشهر.
كان منتسبو المستشفى كلهم سجناء من ذوي المهن الصحية وهم يؤدون واجب يومي في المستشفى.
مثلا كان هناك صيدلي، من عائلة معروفة ببغداد ،معنا في المستشفى محكوم عليه بالسجن لسنوات وكان صاحب صيدلية كبيرة في شارع السعدون ببغداد. ورأيته كان قلقا جدا ويمشي ذهابا وإيابا في ممر المستشفى بطريقة تلفت الانتباه ولما اقتربت منه وكلمته تبين انه ينتظر قراراً جديداً للعفو عنه وكان يحسب الساعات والأيام.
وكان معنا في المستشفى ممرض محكوم عليه ب ١٥ سنه سجن لكونه من الدراويش وفي احدى المناسبات والقراءات وعندما كان أحد مريديه واتباعه يدخل آلة حديدية في رأسه توفي ذلك المريد فحكموا على صاحبنا الممرض بالسجن لانه كان يشرف على مريديه.
كانت هناك ردهة للمرضى الذين يحتاجون ترقيداً وكنا نزورهم يوميا صباحا ونقوم بالواجب اتجاههم.
كنا نتنقل بين اقسام السجن بسيارة الإسعاف لفحص ومعالجة المرضى وكنت اسوق سيارة الاسعاف بنفسي لأن علينا الإنتقال بين أقسام الثقيلة والخفيفة والعامة في أي وقت.
وكان هناك مكان يسمى (الانفرادي) حيث يوضع السجين صاحب المشاكل او الذين يعاقبون من قبل السجانين او ادارة السجن. وهناك سجناء في الانفرادي ربما يوضعون هناك لكون من البداية لديهم ملف خاص ولااعلم التفاصيل حيث كنت اذهب هناك لمعالجة السجناء وعادة لايطلبون الطبيب لهم الا اذا تعبت وساءت وتذهورت حالتهم الصحية.
وحتى عندما كنت اذهب لفحصهم لايسمحون لي بالدخول ولكن يفتحون الباب ويجلبون السجين عند الباب لافحصة. غرف تكاد تكون (متر في متر) ولا شباك ولاضوء . ومن لون بشرة السجين البيضاء الشاحبة وعدم قدرته على فتح عيونه بالكامل ليتكلم معي تدرك حينها أنهم لم يروا الشمس منذ فترة ليست بالقريبة. عادة هؤلاء السجناء لايتكلمون وغالبا ليس لهم القدرة على التكلم من شدة الوهن .فعليك أن تستعين بحدسك وبصيرتك لتستطيع ان تفهم ماذا يعاني هذا السجين. انه (سجن داخل سجن).
هذا القسم هو اكثر قسم يمكن أن يحبط معنويات الطبيب فلاتستطيع الكلام مع السجين وتراه يعاني وتعالجه من غير كلام .لا اعرف لماذا.
وهناك قسم آخر في السجن لا اتذكر ماذا كانوا يطلقون عليه. وهذا هو مكان ما قبل تنفيذ حكم الإعدام، فالقرار قد صدر بحقهم. ولا اتذكر ان كان رئيس الجمهورية موقع أو بانتظار توقيعه. وملابسهم برتقالية ، وهذا المكان مؤلف من طابقين على شكل مربع وتوجد فسحة مشتركة في الوسط وتستطيع ان ترى المحكومين واقفين على الشبابيك ينظرون اليك عندما تدخل عليهم.
كان هناك ملعب للألعاب الرياضية ومنها كرة القدم والطائرة وكان السجناء يمارسون الرياضة هناك وعادة بعد الظهر.
كان أصحاب المهن والحرف يمارسون مهنهم داخل السجن ويبيعون نتاجهم للسجناء والزوار فترة الزيارة. ومن هذه الحرف الحياكة والاعمال اليدوية للذكريات. واتذكر اني اشتريت من أحد السجانين (الليفه) التي تستخدم في غسيل الجسم ولكنها كانت جميلة بلونين من الصوف.
كان السجناء من أصحاب السيرة الحسنة وأصحاب المهن يأخذونهم بباصات ( الريم) خارج السجن يوميا من الصباح الباكر ويرجعون وقت المغرب. يذهبون الى المصانع يمارسون مهنهم ويخرجون من نطاق السجن ويرجعون على السجن نهاية النهار للمبيت . وكنا نرى ذلك شيء ايجابياً و أدهشني بذلك.
ولا انسى (مسجد السجن) فهو كبير نوعا ما والإمام والمصلّون كلهم من السجناء من الذين محكوم عليهم وتقام صلاة الجمعة فيه.
ولكن الذي كان يؤرقني يوميا صوت احد السجناء عندما يقوم بعمل شيء يغضب الحراس فيبدأون بضربه بالعصي (والواير) وتسمع الصراخ والأنين. وكان هذا مستمراً حتى تتعود اذناك على أصوات الصراخ.
وعندما انتهت فترة التكليف في سجن ابو غريب خرجت من السجن قبل الظهر وعندما وصلت شوارع مدينة بغداد احسست كأنني انا المسجون وقد تم اطلاق سراحي !!!!. حينها احسست بنعمة الحرية وشكرت الله عليها رغم اني كنت حرا في حركاتي داخل السجن ولدي سيارة إسعاف اتنقل بها ولا توقفني سيطرة او سجان.
الحمد لله على نعم نعيشها ولا ندركها إلا إذا صرنا في موقف يحرمنا تلك النعم.
تعقيب الزميل ا د عبد الرضا العباسي :
احسنت د. سامي واسجل هنا ايضا بعضاً من الذكريات المرعبة توثيقاً لما تفضلت به، اذ نسبّوني كما نسبّوا الجميع لمدة اسبوعين دورياً الى مستشفى سجن ابي غريب وحضرت الإعدام مرتين، وشاهدت كيفية استئصال القرنية من المعدومين، حيث كان المرضى في مستشفى (الرمد) ينتظرون بشغف يوم الأربعاء (وهو يوم تنفيذ الإعدام) لينتظروا دورهم للحصول على قرنية تعيد لهم بصرهم؛ حقاً أن مصائب قوم عند قوم فوائد؛ ولله في خلقه شؤون.
تعقيب زميلي وإبن دورتي أستاذ العيون (عمر اليعقوبي)..
كان التنسيب الى سجن ابو غريب من ضمن فترة الاقامة الدورية للأطباء المعينين في محافظة بغداد ولمدة اسبوعين .
كان تنسيبي الى مستوصف الأحكام الثقيلة و كان معي في نفس الفترة د (نبيل عجينة) و نسّب الى مستوصف الأحكام الخفيفة.
في اثناء دوامي تم استدعائي لمعاينة و فحص مريض محكوم عليه بالاعدام و كان يجب أن أذهب الى زنزانته لفحصه لانه ممنوع من جلبه الى المستوصف.
كان هذا السجين هو اللواء الركن (عزيز العقيلي) و الذي كان من المع ضباط الجيش العراقي و كانت تهمته انه حاول الانقلاب على حكومة البعثيين آنذاك .
توفي في السجن رحمةً الله عليه ولم ينفذ فيه حكم الإعدام.
مرت الأيام الاولى صعبة ومتعبة في صراع مستمر مع السجناء للتيقن من أن أحدهم فعلا هو بحاجة الى المسكنات وليس من المتمارضين والمحتالين, كما كان عندي هاجس وتخوف من السجناء العنيفين والمدمنين فكنت أتعامل معهم بإنسانية ولكن بحذر!.
كان رعبي الشديد من أن أضطر لحضور عملية إعدام سجين... فمن الواجبات الملقاة على الطبيب المقيم ان يكون متواجداً طوال الوقت منذ جلب المحكوم للمقصلة الى نهاية تنفيذ إعدامه ثم فحصه بعد الإعدام واعطاء (شهادة الموت) بحقه... كانت هذه المشاهد قد تركت جرحاً عميقاً في نفوس زملائي الذين سبقوني بالتكليف بالاقامة الدورية في السجن واضطروا لحضور عمليات الإعدام, وكنت مرعوباُ لكوني كنت حديث التخرج لم يمض سوى خمسة أشهر على تخرجي من كلية الطب .. وكنت أقرأ يومياتهم المحزنة التي كانوا يسطرونها مرغمين في (دفتر موقف الخفارة) اليومي الذي كان كل منا مجبراً على كتابته وتقديمه صباح كل يوم ل(مدير مستشفى) السجن .. كنت اقرأ احياناً تقريراً كتبه طبيب وهو يرتعد و يبكي لما شهده من منظر مؤلم لعملية إعدام...
لحسن حظي فقد صادفت فترة تكليفي عيد الأضحى وبحسب القانون العراقي يمنع في تلك الفترة تنفيذ الاحكام بالاعدام.
في اسبوعي الثاني أصبت بآلام مبرحة في ضرس العقل واستشرت طبيب الأسنان والذي كان مسيحّياً من بيت (غزالة) اظن اسمه كان (قيس غزالة), والذي نصحني على الفور بأن يقوم بإقتلاع الضرس بعملية جراحية ً لكونه قد إنحشر داخل عظم الفك ونما افقياً وبدأ بإحداث ضرر وتآكل في الضرس المجاور له... قام د(قيس) مشكوراً بإجراء العملية والتي اضطر فيها الى ازالة جزء من عظم الفك, استمرت حوالي الساعة وما صاحبها من آلآم.. وقام بمنحي إجازة لمدة يومين..
يبدو أن مدير مستشفى السجن ظن ان العملية والإجازة كانت لعبة للتهّرب من الواجب, فرفض الموافقة على الاجازة وقام بشطبها وأمرني -رغم الآلام المبرحة في فكي- بالاستمرار في العمل والخفارة. وفي نفس ذلك اليوم وبعد انتهاء الدوام الرسمي وجدت أن الألم البدني والنفسي الذي اعاني منه اقوى منى, لذلك قررت (الهرب من السجن) ولو لليلة واحدة!. كلفت زميلي بالتغطية في مكاني, وبذا غادرت عدة بوابات, آخرها البوابة الخارجية للسجن ولوحت لأول سيارة اجرة اعادتني الى بيتي في (حي دراغ) في المنصور...
صباح اليوم التالي داومت كالمعتاد وقبل الظهر تم تسليمي كتاب (عقوبة توبيخ وقطع راتب أسبوع), حيث إن حّراس البوابة الخارجية للسجن قد وشوا بمغادرتي بعد الدوام لمدير المستشفى . جاءت العقوبة كالصاعقة بالنسبة لي , ففي ذلك الوقت كانت هذه العقوبة قد تصير سبباً في حرماني من الترشيح للدراسات العليا او البعثات مستقبلاً والتي هي حلم الجميع.
قام (الأطباء الدائميون) في مستشفى السجن, وهم الأطباء الممارسون الذين يأتون اثناء الدوام الرسمي فقط, بالتوسط لي والضغط على مدير المستشفى.. ولا أنسى بذلك الموقف النبيل للدكتور (هاشم العاني) الذي حاول المستحيل بإلحاحه المستمر على مدير المستشفى لرفع العقوبة, حتى وافق المدير على رفع تلك العقوبة عني.
تجربتي كطبيب سجن تركت ندوباً وآلاماً نفسية لا يمكن أن تمحى من ذاكرتي...
ذكريات سجن ابو غربب بقلم الزميل الدكتوراحمد اسعد السامرائي
أثناء فترة الاقامة الدورية في مستشفيات بغداد كان يتعين على بعض الأطباء المقيمين الذهاب بعد تنسيبهم الى مستشفى (سجن ابو غريب) لفترة شهر . كان هذا عام ١٩٨٨ وقد كان الوقت قد حان للذهاب هناك واستبدال أحد الأطباء الذين سبقوني هنالك تأخرت عليه ليومين لكون وجودي في المستشفى التي كنت اعمل بها ضرورياً بسبب نقص الأطباء في تغطية المناوبات. وكان طبيب سجن ابو غريب يتصل بي يوميا أكثر من مرّه لتسريع استبداله وفي اليوم الثالث ذهبت لأكون محله في المستشفى التابع لسجن ابو غريب. وعندما رأيته والتقيت به لاستلام العهدة منه وجدته في حالة نفسية يرثى لها لكون الأيّام تمر بطيئه في سجن ابو غريب وتكون منقطعاً عن العالم الخارجي وعن الحياة المدنية الحرة.
ومما زاد من حالة زميلي النفسية سوءاً هو أنه كان حاضرا في تنفيذ حكم الإعدام لبعض المحكومين وتحرير شهادة وفاة لهم. وهذه بحد ذاتها تمثل وضعاً غير مألوف وصدمة لطبيب حديث التخرج والإحساس بانها لاتمت لمهنة الطب بصلة.
وبقيت شهرا في المستشفى الصغير لسجن ابو غريب. كان هناك الاطباء الإختصاص الذين يحضرون من خارج السجن فترة الصباح فقط أما نحن فكنا نبيت ونقيم طيلة الشهر.
كان منتسبو المستشفى كلهم سجناء من ذوي المهن الصحية وهم يؤدون واجب يومي في المستشفى.
مثلا كان هناك صيدلي، من عائلة معروفة ببغداد ،معنا في المستشفى محكوم عليه بالسجن لسنوات وكان صاحب صيدلية كبيرة في شارع السعدون ببغداد. ورأيته كان قلقا جدا ويمشي ذهابا وإيابا في ممر المستشفى بطريقة تلفت الانتباه ولما اقتربت منه وكلمته تبين انه ينتظر قراراً جديداً للعفو عنه وكان يحسب الساعات والأيام.
وكان معنا في المستشفى ممرض محكوم عليه ب ١٥ سنه سجن لكونه من الدراويش وفي احدى المناسبات والقراءات وعندما كان أحد مريديه واتباعه يدخل آلة حديدية في رأسه توفي ذلك المريد فحكموا على صاحبنا الممرض بالسجن لانه كان يشرف على مريديه.
كانت هناك ردهة للمرضى الذين يحتاجون ترقيداً وكنا نزورهم يوميا صباحا ونقوم بالواجب اتجاههم.
كنا نتنقل بين اقسام السجن بسيارة الإسعاف لفحص ومعالجة المرضى وكنت اسوق سيارة الاسعاف بنفسي لأن علينا الإنتقال بين أقسام الثقيلة والخفيفة والعامة في أي وقت.
وكان هناك مكان يسمى (الانفرادي) حيث يوضع السجين صاحب المشاكل او الذين يعاقبون من قبل السجانين او ادارة السجن. وهناك سجناء في الانفرادي ربما يوضعون هناك لكون من البداية لديهم ملف خاص ولااعلم التفاصيل حيث كنت اذهب هناك لمعالجة السجناء وعادة لايطلبون الطبيب لهم الا اذا تعبت وساءت وتذهورت حالتهم الصحية.
وحتى عندما كنت اذهب لفحصهم لايسمحون لي بالدخول ولكن يفتحون الباب ويجلبون السجين عند الباب لافحصة. غرف تكاد تكون (متر في متر) ولا شباك ولاضوء . ومن لون بشرة السجين البيضاء الشاحبة وعدم قدرته على فتح عيونه بالكامل ليتكلم معي تدرك حينها أنهم لم يروا الشمس منذ فترة ليست بالقريبة. عادة هؤلاء السجناء لايتكلمون وغالبا ليس لهم القدرة على التكلم من شدة الوهن .فعليك أن تستعين بحدسك وبصيرتك لتستطيع ان تفهم ماذا يعاني هذا السجين. انه (سجن داخل سجن).
هذا القسم هو اكثر قسم يمكن أن يحبط معنويات الطبيب فلاتستطيع الكلام مع السجين وتراه يعاني وتعالجه من غير كلام .لا اعرف لماذا.
وهناك قسم آخر في السجن لا اتذكر ماذا كانوا يطلقون عليه. وهذا هو مكان ما قبل تنفيذ حكم الإعدام، فالقرار قد صدر بحقهم. ولا اتذكر ان كان رئيس الجمهورية موقع أو بانتظار توقيعه. وملابسهم برتقالية ، وهذا المكان مؤلف من طابقين على شكل مربع وتوجد فسحة مشتركة في الوسط وتستطيع ان ترى المحكومين واقفين على الشبابيك ينظرون اليك عندما تدخل عليهم.
كان هناك ملعب للألعاب الرياضية ومنها كرة القدم والطائرة وكان السجناء يمارسون الرياضة هناك وعادة بعد الظهر.
كان أصحاب المهن والحرف يمارسون مهنهم داخل السجن ويبيعون نتاجهم للسجناء والزوار فترة الزيارة. ومن هذه الحرف الحياكة والاعمال اليدوية للذكريات. واتذكر اني اشتريت من أحد السجانين (الليفه) التي تستخدم في غسيل الجسم ولكنها كانت جميلة بلونين من الصوف.
كان السجناء من أصحاب السيرة الحسنة وأصحاب المهن يأخذونهم بباصات ( الريم) خارج السجن يوميا من الصباح الباكر ويرجعون وقت المغرب. يذهبون الى المصانع يمارسون مهنهم ويخرجون من نطاق السجن ويرجعون على السجن نهاية النهار للمبيت . وكنا نرى ذلك شيء ايجابياً و أدهشني بذلك.
ولا انسى (مسجد السجن) فهو كبير نوعا ما والإمام والمصلّون كلهم من السجناء من الذين محكوم عليهم وتقام صلاة الجمعة فيه.
ولكن الذي كان يؤرقني يوميا صوت احد السجناء عندما يقوم بعمل شيء يغضب الحراس فيبدأون بضربه بالعصي (والواير) وتسمع الصراخ والأنين. وكان هذا مستمراً حتى تتعود اذناك على أصوات الصراخ.
وعندما انتهت فترة التكليف في سجن ابو غريب خرجت من السجن قبل الظهر وعندما وصلت شوارع مدينة بغداد احسست كأنني انا المسجون وقد تم اطلاق سراحي !!!!. حينها احسست بنعمة الحرية وشكرت الله عليها رغم اني كنت حرا في حركاتي داخل السجن ولدي سيارة إسعاف اتنقل بها ولا توقفني سيطرة او سجان.
الحمد لله على نعم نعيشها ولا ندركها إلا إذا صرنا في موقف يحرمنا تلك النعم.
تعقيب الزميل ا د عبد الرضا العباسي :
احسنت د. سامي واسجل هنا ايضا بعضاً من الذكريات المرعبة توثيقاً لما تفضلت به، اذ نسبّوني كما نسبّوا الجميع لمدة اسبوعين دورياً الى مستشفى سجن ابي غريب وحضرت الإعدام مرتين، وشاهدت كيفية استئصال القرنية من المعدومين، حيث كان المرضى في مستشفى (الرمد) ينتظرون بشغف يوم الأربعاء (وهو يوم تنفيذ الإعدام) لينتظروا دورهم للحصول على قرنية تعيد لهم بصرهم؛ حقاً أن مصائب قوم عند قوم فوائد؛ ولله في خلقه شؤون.
تعقيب زميلي وإبن دورتي أستاذ العيون (عمر اليعقوبي)..
كان التنسيب الى سجن ابو غريب من ضمن فترة الاقامة الدورية للأطباء المعينين في محافظة بغداد ولمدة اسبوعين .
كان تنسيبي الى مستوصف الأحكام الثقيلة و كان معي في نفس الفترة د (نبيل عجينة) و نسّب الى مستوصف الأحكام الخفيفة.
في اثناء دوامي تم استدعائي لمعاينة و فحص مريض محكوم عليه بالاعدام و كان يجب أن أذهب الى زنزانته لفحصه لانه ممنوع من جلبه الى المستوصف.
كان هذا السجين هو اللواء الركن (عزيز العقيلي) و الذي كان من المع ضباط الجيش العراقي و كانت تهمته انه حاول الانقلاب على حكومة البعثيين آنذاك .
توفي في السجن رحمةً الله عليه ولم ينفذ فيه حكم الإعدام.
الطبيب كاذب حتى يثبت العكس..لسان حال مدراء المستشفيات والى الان..
ردحذفصحيح للاسف.. وبعض المدراء كانوا يتصرفون كأنهم أسياد والبقية عبيد.. والمقيم الدوري كان اضعف حلقه في السلسلة....
حذفد. سامي. طبيب الاسنان اسمه قيس غزالة، شقيق الجراح الاختصاصي وليد غزالة، وهم الان في تورنتو كندا، ام شقيقهم اختصاصي الجراحة البولية فهو يعمل في اربيل ولكنه كندي الجنسية حاليا
ردحذفنعم نبهني احد الاخوان لذلك وسأقوم بتصحيحه ان شاء الله
حذف