2-10 سكران... يعالج سكران
2-10 سكران.. يعالج سكران!
كان من المقدر لي أن اُحب إختصاص (الجراحة), فقد كانت فترة دوامي في مستشفى (الطوارئ الجراحية في الرصافة) فترة تعلمت فيها الكثير جداً من المهارات الجراحية, كيفية خياطة الجروح وإتمام العقُدة المُزدوجة للخيط الجراحي باستعمال يد واحدة فقط ودون الاستعانة بأي شئ آخر,أنواع خياطات الجروح المكشوف منها والمخفي, وكيفية عمل قص الوريد وغيرها من المهارات الأساسية في (الجراحة).
في الاسبوع الثاني او الثالث لي في مستشفى (الطوارئ) سمعت شخصاً يناديني بإسمي, نظرت فإذا به الجراح الاختصاصي (سامي لورنس ) وهو يقف خلف جزء من باب صالة العمليات بعد أن فتحه, لأنه كان بكامل ملابس العمليات ولا يجوز له الخروج بها الى الممر, سمعته يناديني "تعال سامي" سألته "نعم دكتور؟" وأمرني أن أغيّر ملابسي وارتدي ملابس العمليات فوراً كي اُجري العملية على المريضة المستلقية على سرير العمليات. وبسرعة ارتديت ملابس العمليات المعقمة والكمامة والقفازات الجراحية وغسلت كفّي و ذراعي جيداً, وطلب مني أن أبدأ بشق جدار البطن!. كنت قد شاهدته سابقاً وهو يجري العمليات وساعدته ببعضها, لذا كنت واثقاً من إمكانية إطاعة إرشاداته. ابتدأت بفتح البطن, ووقف (سامي لورنس) طوال العملية يساعدني, وانا واقف مكان الجراح الرئيسي. كانت تلك أول مرة اجري فيها عملية استئصال (زائدة دودية), أو كما تسميها أم جواد (بلندكس), أجريتها (من الجلد الى الجلد) وكان الإحساس بنشوة النجاح لايوصف!.
(سامي لورنس) رحمه الله, كان جراحاً رائعاً انساناً طيباً بمعنى الكلمة. كان يحب جميع الاطباء المقيمين, ويحاول أن يساعدهم بكل قوتّه, وكنا نحبه كثيراً ونشعر انه قريب منا بل كنا نحكي له كل اسرارنا و حتّى مشاكلنا الشخصية.
في إحدى المرات جاءت سيارة الإسعاف تحمل شابّاً مصاباً بحادث إنقلاب سيارة بعد ارتطامها بشجرة. كان يبدو عليه انه فاقد للوعي بسبب حالة السكُرُ الشديدة التي هو فيها. حاولت إسعافه لكن ضغط الدم كان في تناقص متسارع كما إن نبض قلبه كان في تزايد مستمر مؤذناً بوجود نزيف داخلي.
إتصلت بالجراح الخافر في ذلك اليوم وقد قاربت الساعة منتصف الليل ولم يكن عنده رغبة حقيقية في المجيء حيث أخبرني أن عنده ضيوف ومناسبة عائلية خاصة.. وبعد الحاحي بأن المصاب قد يفقد حياته، لم يتمكن من التملص من تلك المهمة, وافق الجراح على مضض على أن أرسل له سيارة الإسعاف لجلبه من بيته, لأنه- لأسباب خاصة- لا يتمكن من قيادة سيارته الليلة!.
بعد دخوله الصالة قمت بالتهيؤ لمساعدة الجّراح في العملية, كان واضحاً عندي إن الجراح هو الآخر في حالة سُكُر شديدة!.. تمت عملية استكشاف البطن وترقيع أجزاء ممزّقة من أحشاء المصاب والتي كانت السبب في النزف الداخلي .. وكنت طوال الوقت وأنا اساعد في تلك العملية أسبح في غيمة كثيفة من (الروائح).. رائحة (الهالوثين) غاز التخدير المستعمل, ورائحة (الزحلاوي) المنبعث من المريض ورائحة (الويسكي) المنبعث من الجرّاح الذي يجري العملية!.. كنت أضحك في داخلي.. فقد كنت الصاحي الوحيد في ذلك المكان آنذاك! خرجت من العملية وأنا (أتطّوطَح) و رأسي ثقيل بدون خَمرَة!.. لكنني أنقذت حياة ذلك المصاب, والذي تماثل للشفاء بسرعة بعدها!.
في يوم آخر كنت أساعد في إحدى العمليات لأحد المصابين في حادث سيارة آخر. اثناء تلك العملية التي استغرقت طويلاً توجب ازالة طحال ممزق والتعامل مع تمزق في الكبد وفي الأمعاء, كنت كعادتي دوماً (أتلصص) واتفحص الأفعال الحيوية للمصاب بين حين وآخر رغم وجود الطبيبة المخدّرة والتي كانت مستغرقة في ضخ الهواء في أنبوب تنفس المريض بواسطة كيس (امبو Ambu), فجأة انتبهت الى إن المريض لم يكن عنده اي نبض.. وتسللت كفي الى أجفان المريض وفتحت عينيه, فحصت البؤبؤ لأجد علامات (لاتقبل الشك) بكونه قد فارق الحياة، وربما منذ مدة!, تلك العلامات التي صرت خبيراً بها من الأشهر المحزنة التي قضيتها في مستشفى الحميّات!.
بهدوء أطلقت الخبرللجراح" سيدي... أظن أنك تشتغل على شخص ميت!"
لم يكن على الإطلاق تصوري لوقع الخبر على الجراح.. إذ فجأة أشعرني بأنه قد إنهار! ألقى بالأدوات التي في يديه وصرخ بالطبيبة المخدرّة مؤنّباً لها على استمرارها بالعمل على ضخ الهواء ل(شخص ميت) دون أن تنتبه قبل حصول ذلك! شعرت لوهلة بأنه سوف يقتلها!..
المفاجأة جاءت بعد ذلك.. إذ يبدو أن هناك سياق متعارف عليه في هذا المستشفى!.. ركضت (المعينة) البدينة الى خارج صالة العمليات ثم عادت راكضةً بقنينة أوكسجين وهي تخبر ذوي المصاب المتجمهرين خارج صالة العمليات, أن المصاب قد تدهورت حالته فجأةً!.. ثم خرجت راكضة ثانية من صالة العمليات لتجلب شئاً آخر! وهي تخبر ذويه أنه في حالة حرجة (كل هذه في ما يبدو لتهيئة أذهانهم لتقبل الخبر المشؤوم).. بعدها وضعناه على نقالة وابقينا المغذي معلقاً في وريده و قناع الأوكسجين على الوجه و أخرجناه الى الردهة ونحن نركض به في تمثيلية محكمة السيناريو، وخلفنا المعينة تقول بأنه في حالة خطرة!.. في الردهة قمنا بعدة محاولات لإنعاش القلب.. كنا نعرف جيداً أنها بلا جدوى, وفات أوانها، إلّا أنها كانت ضرورية جداً لتهيئة ذوي الشاب للخبر المفجع!.. وبعد ربع ساعة خرجنا وقد علت وجوهنا الكآبة والحزن وأخبرنا أهله بأننا بذلنا جهدنا لكن المنية سبقتنا له و توفاه الله.. حفظت فيما بعد الدرس.. إن اسوأ ما يمكن أن يواجه الجراح هو أن يموت المريض على طاولة العمليات, فذوي المريض لن يرحموه مهما حاول إقناعهم، وسوف يكون متهّماً بالتقصير مهما كان بريئاً، لكنهم يتقبلون فكرة ان مريضهم قد توفي في سريره، في الردهة، لا على طاولة العمليات!!
خفارات (العيادة الخارجية) كانت مضنية في هذا المستشفى!.. فجرحى المشاجرات والسكارى والمصابين بحوادث السيارات وغيرها كانوا يتوافدون بسيارات الإسعاف في كل ساعة من الليل. ورغم وجود سرير وفراش وثير في العيادة الخارجية, إلا أنني كنت مؤمناً إنني يجب أن اكون يقضاً مرتدياً صدريتّي وجالساً على كرسي العيادة خلف الطاولة عند سماع صفارة سيارة الإسعاف وهي تقترب من المستشفى وقبل دخول المصاب الى عيادتي. ومما زاد من المعاناة أنّ العيادة الخارجية لمستشفى (العلوية للولادة) كانت مقابل عيادتنا الخارجية تماماً.. وفي كثير من الأحيان كنت أقفز من فراشي وأرتدي صدريتي وأجلس بكل إنتباه في الساعة الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل, لأجد انه (إنذار كاذب), إذ تتوقف الإسعاف على الجهة الثانية من الشارع عند مستشفى الولادة، جالبة نسوة لا تحلو لهن الولادة إلا بعد منتصف الليل, لتضاعف من معاناتي أثناء (الخفارة)!
لو توقف الأمر فقط على (سامي لورنس) لصرت بالتأكيد جرّاحاً, ولكن كان هناك جراح اخر اكثر قدماً من (سامي لورنس), (وأكثر سطوةً ونفوذاً لدى المسؤولين ووزيرالصحة), وهذا رأيته بعيني, أثناء الجولة الصباحية في الردهة, يسحب المريض من سريره ويلقيه على الارض وهو يؤنبه بعصبية, كل ذلك لأنّ المريض قد راجع نفسه وعدل عن إجراء العملية التي كان يفترض أن تُجرى له ذلك الصباح!. ورأيت اناساً كبار السن وهم يُهانون على يديه ويلقى بهم خارج الردهةً. كان سر قوته هو انه صديق لوزير الصحة وصديق لمدير المستشفى الذي كان يخشاه و يتملق له.
ورغم ان بقية الجراحين لم يكونوا بهذه (الشراسة), وكانوا يمتازون بالطيبة والخلق في تعاملهم معنا ومع المرضى, إلا أن هذا الشخص نَفّرني من (الجراحة) وكرهتها بسببه, عندما رأيت اُناساً بعمر والدي يهانون ويعتدى عليهم كلامياً ويُلقى بهم خارج أسرّتهم, وخشيت أن الجراحة ستعني لي صراعاً مستمراً. ورغم المثال الجميل للجراح الملتزم الذي كنت أراه في بقية الجراحين, إلا أنني احسست في داخلي بأن هذا الاختصاص (ليس ثوبي)!
وفيما بعد صار تدريبي فى (الطب الباطني) في (مدينة الطب) عند (فرحان باقر) وفريقه, صارت عندي قناعات جديدة تماماً في ما يمكن ان اتخصص به وهذه المرة بإتجاه (الطب الباطني), حيث أحببت هذا الاختصاص وأحسست أنه ينسجم مع قناعاتي الشخصية. وبعدها انتقلت الى (مستشفى الكرامة) وعملت في (طب الأطفال) الذي عشقته!, كيف لا وقد كان (محمود البحراني) ذلك الطبيب الرائع معلمي وقدوتي. تعلمت منه مبادئ (طب الأطفال), ولكن الأمر الاهّم أني تعلمت كيف أكون (طبيباً) بحق. و(طب الأطفال) و(الطب الباطني) اختصاصان متداخلان لا يختلفان كثيراً عن بعضهما, أحببتهما وشعرت انني ربما مقّدر لأن اختّص بأحدهما.

د. سامي. ازعجك فاروق، ولنا معه قصص
ردحذف