21- عودة... الى إتفاقية الجزائر

21-عودة.... الى (إتفاقية الجزائر)!

 أ.د.  سامي سلمان

            المقالات التاليات ليست من كتابتي, وإنما ارسلهما الزملاء الأطباء (عبدالحميد العباسي) و (حارث بلال) و(عبدالرضا العباسي).. وصلتني بعد أكثر من أسبوعين على نشر مقالي عن تلك الإتفاقية, وإنتهاء القتال في شمال العراق, واضطررت  لتأجيل نشرها للحفاظ على تسلسل الأحداث التي كتبتها في المدونة... وبالنظر لإهميتها التوثيقية إرتأيت ان افرد لهم  صفحة خاصة بهم بعد إن فرغت من حكايتي مع مفرزة اللواء الاحتياط (102) في (كومسبان) ولي عودة على سرد ذكرياتي بعدها...

 

)إتفاقية الجزائر نقلاً عن الويكيبيديا):

(إتفاقية الجزائر) هي اتفاقية وقعت بين العراق وإيران في 6 آذار/مارس عام 1975 بين نائب الرئيس العراقي آنذاك (صدام حسين) وشاه إيران (محمد رضا بهلوي) وبإشراف رئيس الجزائر آنذاك (هواري بومدين).

ولغرض إخماد الصراع المسلح للأكراد بقيادة (الملا) (مصطفى البارزاني) الذي كان يُدعم من شاه إيران (محمد رضا بهلوي) قام العراق بتوقيع اتفاقية الجزائر مع إيران, وتم الإتفاق على نقطة خط القعر كحدود بين الدولتين ولكن (صدام حسين) ألغى هذه الأتفاقية عام 1980 بعد سقوط حكم الشاه ووصول (الخميني) إلى الحكم، الأمر الذي أشعل حرب الخليج الأولى,

المصدر: الويكيبديا: اتفاقية الجزائر

1-   مقال الزميل وأستاذي الذي تدربت على يديه أستاذ الطب الباطني الدكتور  (عبدالحميد العباسي) والذي كان طبيباً عسكرياً دائمياً ثم حولت خدماته الى الصحة فيما  بعد...

التداعيات الكارثية لاتفاقية الجزائر عام  1975,

ما علق بذاكرتي كشاهد عيان:

      جانبا الاتفاقية, العراقي والايراني يعلمان ان الإتفاقية ابرمها طاغيتان لا يعترف شعبيهما بشرعية تسلطهما, وان ما اتيا به كله غير شرعي, وباطل, والباطل باطل الى يوم الدين.  وارى, الآن لزاما علينا التذكير بما أحدثته تلك الاتفاقية من تاثيرات مفصلية في مجرى الاحداث في المنطقة, وصاغت و تصيغ مستقبل العراق لسنوات طويلة قادمة. وهي مؤشرالى الخطأ الفادح الذي يرتكبه الساسة في نزواتِهم وتدفع ثمنه الاجيال.

       في آذار عام 1975 ابلغتني (عمادة كلية الطب) بان عليَّ أن ارافق مسؤولين في سفرهم الى الخارج, لان الاطباء الذين يكونون عادة في ركب الرؤساء وذوي الشأن في ترحالهم كانوا آنذاك, خارج العراق, اولائك هم فئة مُصطفاة من اطباء اختصاصيين ينطلقون بين فينة وآخرى, كالحمام الزاجل, ومن المرجح ان هذا ماكانوه فعلا, هولاء هم مَن ُتناط ُ بهم مرافقة المسؤولين او امور أخر.

       ذهبت الى المطار في اليوم التالي ولا علم  لي مَن سارافق والى أين. وفي الطائرة فقط عرفت ان الوفد كان برآسة صدام حسين (نائب رئيس الجمهورية آنذاك) ومعه (طارق عزيز) رئيس تحرير صحيفة (الجمهورية) و(شاذل طاقة وزير الخارجية) و(عزة مصطفى وزير الصحة) و(سعدون غيدان وزير الداخلية) والاستاذ (عبدالودود الشيخلي رئيس التشريفات في وزارة الخارجية) ورئيس الدائرة العربية في وزارة الخارجية (وكان كرديا)! وعدد من الحاشية من مرافقين وحماية.

       وعند وصولنا الى (مطار الجزائر) دُلفنا الى سيارات مُعدّة ودون مظاهر استقبالٍ واضحة وأسكنّا فيما كان يُسمى (دار المفتي).

      كانت ُتخيم على الجو حالةٌ من الجدّية ومسحة من الكآبة. وخلال الثلاثة او اربعة ايام التي مَرّت لم تكن هناك مظاهر إحتفاء ولا مقابلات صحفية.   

        اطلق الجزائريون إطلاقتي تحذير, لم تفُتْ حاشية الوفد العراقي ولافاتهم مَغزاها.

الاولى: عندما نشرت صحيفة (المجاهد الجزائري), ان العراق ظل يضخ النفط َ *سِراً* الى اوروبا, عندما أوقفت الدول العربية ضخه عام 73, دعما لمصر في حربها. وكأني بهم يقولون *إن نظام يخون تطلعاتِ أمته هو نظام لا يؤتمن*

الثانية: عندما حجزوا لنا على الساحل شاليه برقم (101)  وكان ذلك تذكير بالكيلو 101, حيث وقَّعَ المصريون ما سُمي ( فك الارتباط) بين قواتهم المتشابكة  مع جيش اسرائيل, في منطقة القنال عام 73 وكأني بالجزائريين يهمسون في آذاننا *ها انتم تأتون الفاحشة نفسَها*. لم أدر, (أنا) حينها, حقيقة ما جرى ولكني أحسست ان امراً خطيرا يُدبر, ولابد ان الآخرين كانوا على بيِّنة, فقد كنت دخيلا عليهم.

        وبعد عودتنا صار المستورمكشوفا وان صفقة عُقدت بين (الشاه) و(صدام)  وبوساطة  (بوميدين). وقال فلاسفة الهزائم ان صدام ضحى بالماء في سبيل الارض وكأن في الوطن ما يُمكن أن يُضحى به.  فماذا كانت الصفقة وماذا كان دور كلٍ مِن هولاء وماا جناه كلٌ منهم منها؟

الصفقة:

يتنازل العراق, الى  ايران عن النصف الشرقي من شط العرب ويوقف الشاهُ, مقابل ذلك, دعمَه للمسلحين الاكراد, بالأعداد والعُدد.

أما ما جناه الثلاثة:

الشاه: قدم الى شعبه, لامتصاص نقمتهم, *مكسبا* دفع شعبه ثمنه, فيما بعد, ما يقرب من مليون بين قتيل وجريح, مكسبا لم تعُد إيران, الان تكترث به, فقد حولته (شط العرب) الى مبازل لمياه الصرف وما شاكل. لماذا؟ هذا ما قد تُلقي الضوءَ عليهَ سيناريوهاتٌ قادمة صادمة.

 صدام: كان يرى ان (سُنَّة) العراق, هم الغطاء العددي لحكمه ومن سُنة العراق يشكل الاكراد الاكبرعددا والتزاما, تلكم فئة ٌما كان بوسع صدامَ التفريط ُ بها. أما الارضُ فكم وهَب صدامُ منها, لهذا الجار (الحائر) أو ذاك.

بوميدين: أرادَ إنقاذ بلد شقيق في مأزق, كما صورهُ له صدام,  فجيشه (صدام) لا يملك ولا إطلاقة مدفع (هكذا قال صدام) وشمال العراق مُهدَد بالانفصال وقد شكل المسلحون الاكراد رأس النفيضة لتدخل عسكري ايراني سافر ودخل الاسرايليون على الخط  بشكل فاعل. 

قال د. محمود عثمان, سياسي كردي مُحَنَّك مستقل, قال *اسرائيل لا تعطينا السلاح لسواد عيوننا بل لنقاتل جيش العراق*. وتقول المعلومات ان عدد القتلى من الجنود العراقيين قد وصل  الى حوالي 350 قتيل في الاسبوع, قبل اتفاق الجزائر. اما لماذا كانت الخسائر بهذه الكثافة, فهناك اسباب, منها:

1.    كان المسلحون مزودين ببنادق إسرائيلية  مداها, قيل 4500م ومع ناظور والمسلح متحصن خلف الصخور في حين كان مرمى بنادق الجيش العراقي لا يزيد على 3000م وليس بها ناظور, معنى هذا ان هناك مسافة 1500.م يكون فيها الجندي العراقي هدفا مكشوفا, حالة تسمى في السياقات العسكرية sitting duck الهدف الساكن. ومن المفارقات, كما اخبرني ضابط كان في حرب فلسطين عام 48 أنه كان لليهود مدافع هاون يصل مداها 4500 م وهاونات الجيش العراقي 3500م وقد زاد ذلك من عدد الاصابات بين الجنود العراقيين, بسبب هذا الفرق في فاعلية الاسلحة لدى الطرفين. 

2.    . لقي المسلحون دعما غير محدود من الجيش الايراني ذي التسليح والتدريب الغربي..

3.     فتوى السيد محسن الحكيم في (حُرمة مُقاتلة الاكراد). ومع ان السيد الحكيم اراد حقن الدماء الا ان تحريمه قتل المسلحين الاكراد, فهَمَهُ البُسطاء والسُذَّج جوازقتل العرب والذين كما يَعرف الكثيرون, كانوا من العرب الشسيعة سواء أكان ارسالهم الى الشمال إنتقائيا ام  بحكم كونهم غالبية  المُجندين والذين صاروا, بسبب الفتوى, صاروا بدون عقيدة قتالية وصارت الحيرة تلفُهُم ُ والتردد  مما جعلهم اكثرَ عُرضة للاصابة. ماذا لو ان السيد الحكيم قد الزم الاكراد باصدار توجيه او فتوى من رجال مذهبهم بتحريم (تحاشي) استهداف الجنود وغالبيتهم لم يكونوا مخيريين في التواجد في سوح القتال. ربما يقول قائل وقد قال فعلا: ان الاكراد ليس عندهم مرجعية دينية, فاقول ان المرحوم (الملاّ مصطفى البارزاني) كان شخصية دينية (المُلَّا) ونفوذُه الديني ربما فاق نفوذَه السياسي. وهنا نحن امام لغز اخر فيما جرى.  

وتوسعت, كما هو مُتوقع, مقابرُ النجف وإزدهرت ومازالت, صناعة حفر القبور. كنت في اللجان الطبية التي تنظر في قضايا الشهداء والعوق الجسدي عندما كنت رئيس القسم الباطني في مستشفى الرشيد العسكري وقد أذهلني العدد الهائل من الخسائر البشرية, التي كانت تعرضُ على اللجان المختصة في مستشفى الرشيد العسكري وبعدها في مدينة الطب لتقدير عجز اولياء الشهداء.

       ترك الاتفاق في كبرياء صدام جرحا لا يندمل, فهاهو شاه ايران, عدوه التقليدي يجبره على تقديم جزء من وطن طالما إدَّعى انه حامي حماه وهاهم الاكراد الذين طالما حاباهم يغدرون به, فأراد ان يداوي الجُرح (فيما  بعد) بحرب ايران فخرج من الحرب مثخن الجراح مثقل الديون, اراد مخرجا مما آل اليه حاله فغزا الكويت, شرك اعِدَّ له باحكام. فكان دماره والعراق وانتهى السيناريو!.

      ضاع شط العرب  وبقي الشمال مزعزعاً, *فلا مصرُ اسقرت على حالٍ ولا السودان داما*.

      واليوم, ربما حان الوقت لمراجعة هذه الظلامة, فالاخوة الايرانيون الملتزمون بشرع الله لا يمكنهم الاحتفاظ بما اغتصبوه. والله على كل شيء قدير.

 

2- مقال الزميل طبييب وظائف القلب الدكتور (حارث عبدالحميد بلال):

        بالنظر لإبرام اتفاقية الجزائر بين العراق وشاه ايران بتاريخ ٦ آذار ١٩٧٥م. وعند وقف إطلاق النار انسحبت مدفعية شاه ايران من شمال العراق. قام (العصاة) من الأكراد بمسك المدافع ليكملوا الحرب, لكن قام الجنود الايرانيين بضربهم  واكملوا انسحابهم. عندها لم يجد العصاة من الأكراد حلاً غير الاستسلام إلى الجيش العراقي. وفعلا بدأوا بالتوافد على اربيل ليسلموا أنفسهم وأطلق عليهم اسم ( العائدين).

       حدثت مفاجأة أثناء الاستسلام حيث أدى أمر اللواء الثالث التحية العسكرية إلى أحد العائدين. مما اغضب القيادة العسكرية واستدعوه لمعرفة السبب. إجابهم

" أن هذا الشخص (كان وزيراً) في الحكومة العراقية سابقاً, ومن واجبي أن اؤدي له التحية العسكرية"! .

       قامت الاستخبارات العسكرية بأستقبال العصاة العائدين ويسألوهم ستين سؤالا. منها "اسمك وعمرك ورتبتك؟ وهل انت امر بتاليون (يعني لواء)؟ أو أنك قائد هيز (يعني فرقة)؟".

"من هو امر البتاليون؟ ومن هو قائد الهيز مالتكم؟".

قسم منهم كان  يؤشر على (آمر البتاليون). عندها قام ضباط الاستخبارات بسؤال أمر البتاليون "لماذا تدعيّ انك مقاتل عادي وتنكر كونك أمر بتاليون؟".

       ملابس العصاة العائدين هو زي عسكري لونه وردي فاتح والبنطرون  عبارة عن شروال والستر بها كتافيّات.

      نسبتني (مديرية الأمور الطبية للفرقة الثامنة) كطبيب تجنيد لفحص العائدين. وكان العائدين يفرحون من عبارة (يعفى من الخدمة الإلزامية) التي تكتب بدفتر خدمتهم العسكرية ولكنهم لا يعرفون الفقرة الثانية والتي تقول (ودخل سجل الاحتياط)! (أي ان بالإمكان استدعائهم للخدمة في الجيش متى إستدعدت الحاجة).

3- مقال الزميل الطبيب استاذ الباطنية الدكتور (عبدالرضا العباسي):

      هذا السرد الحزين لحقبة دموية من تاريخنا الحزين توضح مدى المهزلة التي كنا نعيشها في الحرب الاهلية في الشمال، وما سرعة انهيار (العصاة) واستسلامهم الا تأكيداً بانهم كانوا اداة لارادات كبيرة ودول استعمارية- وليست قضية وطنية كما يدعي امراء الحروب-  لاشعال الحرب بين ابناء بلد بامكانهم ان يتعايشوا فيه بسلام, لو كان هناك ساسة حكماء ورجال وطن اذكياء.

       كنت في السادس من اذار عام ١٩٧٥ في قوة (سر قلعة) من سلسلة (قره داغ)، ولم نكن نعلم شيئاً لاعن الجزائر ولا عن اية اتفاقية حيث تطالنا الهاونات ليلياً ولا ننام الا عندما تهدأ، ولكن في ظهيرة اليوم وبعد معالجتي لعدد من الجنود المرضى، واذا برتل طويل من المسلحين العصاة قد نزلوا الينا من الجبل، وكان آمر القوة وبعض الضباط في استقبالهم!، وقد عقد لساني وانا اتوقع هجوما مباغتاً سيكتسحنا، وبدأ هؤلاء الرجال بتسليم اسلحتهم من بنادق (البرنو) والرشاشات حتى صارت اكداساً، وهم يحكون لنا عن الامهم ومعاناتهم حيث ساروا مسافة طويلة جداً للوصول الينا!.

       قال لنا آمر القوة بأن الحرب انتهت!، وان صدام حلها مع شاه ايران، و(الملا مصطفى البارزاني) قد هرب خارج العراق!؛ ترى لماذا تقاتلنا طيلة هذه السنوات، وعن اية اهداف؟ ولماذا خسائرنا الباهضة للطرفين قبل هذا التاريخ وما تلاه؟ ولماذا كانت اتفاقية الجزائر المبهمة- لم تنشر ولم يطلع عليها الشعب-، وكيف تم الغاؤها ثم العودة اليها بعد ان سالت الدماء فوق الركب، ودمر البلد واقتصاده ومستقبله؟ شبعنا قتالاً وموتاً وخراباً للدفاع عن وطن جعله السياسيون سلعة يتاجرون بها في سوق الخردة.

       يقال ان الحرب تقع بين اناس يموتون في الحرب وهم لايعرف بعضهم بعضاً, من اجل سياسيين يعرف بعضهم بعضاً لكنهم لايقاتلون ولا يموتون!

تعليقات

  1. أحداث حزينه مع الأسف حسبنا الله ونعم الوكيل. الله ينتقم من كل ظالم كان سببا بازهاق الأرواح

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

4-2 بكرين و صدّامين وأربع قصص حزينة

2-7 مستشفى طوارئ الرصافة

3- طبيب... عتوي