20- البادئ..اظلم
هذه المدونة تحكي عن فترة خدمتي الالزامية في الجيش (1974-1976) حيث تم منحي رتبة ملازم مجند احتياط في الحرب التي دارت في شمال العراق بين الجيش العراقي من جهة وبين المقاتلين الذين كانت تسميتهم الرسمية (العصاة) (المتمردين الاكراد) وتساندهم القوات الايرانية.
20- البادئ.. أظلم
مرت الأسابيع تلتها أشهر وأنا في مقر اللواء مستمتع بصداقة (ثقافية) مع آمر لواء مثقف يجيد الانكليزية
وبإمكاننا التحدث بشتى المواضيع.. وأحياناً نتسلى بلعبة شطرنج ساخنة, يأتيني
أحياناً المراسل الإيزيدي (دخيل), ليخبرني
بأن هناك عائلة كردية مريضة قد جاءت الى مفرزتي للفحص والعلاج. عندها أستأذن من
الآمر وأذهب لفحص القرويين الذين سمعوا بي
وبدؤوا يثقون بعلاجي..
في إحدى المرات فحصت
إمرأة اوشكت الحمى ان تفقدها وعيها.. وجدت عندها علامات (حمى التيفوئيد) وأعطيتها ما متوفر من
مضادات حيوية في وقتها ثم انصرفت.. وبعد
بضع أيام جاء زوجها يضحك وهو فرحان بشفاء زوجته وقد جلب لي قارورة عسل وكمية من
اللبن.. كنت في وقتها اخشى على سمعتي من تعرضها لشكوك منتسبي اللواء بأنني أقدم
خدماتي بمقابل, فرفضت استلامها! ولا يمكن أن انسى اصراره وبقاءه اكثر من ساعة يتوسل بي أن أقبل الهدية إلا أنني أصررت
على الرفض, حتى عندما رأيت عينيه تغرورقان بالدموع وهو يتوسل بإلحاح بقبول الهدية,
ولو عاد بي الزمن لقبلتها كمجاملة للقروي
البسيط ولأعطيتها للجنود.
مراسلي
(ألإيزيدي) (دخيل), كان يلح علي ان اقبل الزواج بأخته!.. وكنت اضحك وأشكره على
(كرمه)! بتكراره الإلحاح تيقن لي ظني المسبق به إن هناك مشكلة في ذكاء ذلك الرجل!,
لكنه اثبت إخلاصه لي بالتفاني في خدمتي
بنشاط, خصوصاً وقد أتقن فن التخلص من الأفاعي الميتة التي إستمر أمراء
الأفواج بإرسالها لي ليتولى (دخيل) أمر دفنها فوراً, دون أن ينسى أن يعود ليغريني
بالزواج من أخته!.
ثم وكما حصل في الأشهر
الماضية فقد نزلت في إجازتي الدورية بالتزامن مع الوقت الذي نزل فيه الآمر. بعد وصولي
بغداد حصل أمر على صعيد حياتي الشخصية
ربما كان من أهم أحداث حياتي!. ف(بتنسيق مكثف) من شقيقتي الكبرى تقدمت لخطبة الفتاة التي
كنت أتمنى دوماً الزواج منها!. وفي زيارتي للتقدم رسمياً لخطبتها من أخويها تمت
الموافقة السعيدة, ولكن بشرط.. أن يتم العقد الرسمي في المحكمة خلال بضعة
أيام. وافق أخي الكبير, الذي كان يتحدث
بلساني, على الفور على ذلك الشرط. كان أخي الكبير ضابطاً في الجيش ومن الضباط
المعروفين في بغداد.
بعد عودتنا
الى بيتنا سألت أخي كيف وافق؟ وهو يعلم ان إجازتي الدورية القصيرة موشكة على
الإنتهاء؟ أجابني أن اطمئن! ولا أدري كيف
تمكن من الحصول على رقم هاتف بيت (العميد الركن هلال آمر اللواء), وربما حصل عليه
من (البدالة), حيث كان بالإمكان الحصول على أي رقم هاتف ال(أرضي) لأي شخص في
العراق بمجرد الإتصال بالبدالة (102) وإعطاء اسمه الكامل. . خاطبه أخي عبر الهاتف
بلفظة "سيدي" (إذ كان أخي أقل رتبة منه), ثم وجه له الدعوة لحضور(عقد
القران), واستأذنه أن أتأخر في إجازتي أسبوعاً واحداً لغرض إكمال إجراءات عقد القران
بالمحكمة. كانت سعادتي كبيرة عندما وافق آمر اللواء على تمديد إجازتي اسبوعاً,
ولكن إعتذر عن حضور حفل القران بسبب مشاغله, و تمنى لي الخير.
بمجرد انتهاء إجراءات (عقد القران) إلتحقت بمقر اللواء
وأنا في أشد حالات الفرح وأعظم مشاعر السعادة. فالفتاة التي كنت اتمنى الإقتران
بها قد صارت قرينتي رسميّاً و بعقد محكمة!. الشخص الوحيد الذي لم يكن سعيداً للخبر كان مراسلي الايزيدي
(دخيل) حيث باءت آماله وإلحاحه اليومي بالفشل, بأن
يزوجني... من إخته!.
في الصباح التالي لإلتحاقي حييت الآمر كالعادة وهنأني على عقد القران, وسألني عن الإجراءات وماهي خططي للمستقبل. ما ان انتهينا من تناول الفطور سوية كما كنا نفعل كل صباح طوال الأشهر الماضية, حتى أرسل بطلب (رئيس عرفاء القلم), جاء ال(نائب ضابط) وحيّا الآمر. سأله الآمر وبشكل تلقائي وهادئ:
"هل قمت بتنفيذ الأمر بمعاقبة الملازم الطبيب سامي سلمان؟"
تغيرت معالم وجه النائب الضابط ونظر الى وجهي, وأخذ يتمتم وهو يحاول أن يجد الإعذار عن تلكئه في إصدار أمر العقوبة!.. ابتدأ (الآمر) بكيل الإهانات وكلمات التوبيخ الجارحة على نائب الضابط وإتهامه بالتهاون والتقصير في تنفيذ الأوامر! وقال له:
"كنت قد أمرتك منذ البارحة أن تعاقب الملازم الطبيب فلماذا لم تنفذ
الأمر؟"
كان النائب الضابط هو الآخر ينظر الى وجهي بحيرة.. فأنا أعمل في هذا المقر منذ أكثر من أربعة أشهر, وقد خدمت مقر اللواء بإخلاص و كسبت حب الجميع من جنود وضباط صف والضباط, والناس أحمعين!, وطوال الوقت كان انطباع الجميع إنني صرت من أعز اصدقاء الآمر!.. ذهلت لما سمعته من الآمر ولم أصدقه, أمّا هو فقد وفّر عليّ عناء التساؤل عندما استدار موجهاً كلامه لي و قال:
"من قال لك أن السياق العسكري يسمح بأن يتصل بي شقيقك ويحرجني بطلب تمديد إجازتك؟"
وعبثاً حاولت أن اقنع الآمر بأن المناسبة كانت تستحق ذلك
وإنها كانت أهم حدث في حياتي, وإنه كان بإمكانه رفض الطلب وعدم الموافقة,
ولكن كل كلامي كان يلاقي آذان صماء لا تسمع!. والعجيب إن الآمر أبقى العلاقة
الودية بيننا, ورغم إنني إستأذنته وغادرت المكان الى مفرزتي الطبية, إلا أنه
إستدعاني للغداء والعشاء سوية! وفي كل مرة كان يستدعي (نائب ضابط القلم) ثم وتحت سمعي وبصري, يستفسر منه إن كان قد قام ب(نشر عقوبتي)!
كانت تلك أول مرة خلال الأشهرالأربعة أحس بهذا الكم
الهائل من مشاعر المرارة والخذلان وطعم الأهانة والكراهية الشديدة لل(عميد الركن هلال)!. بدأت انظر إليه على إنه
إنسان متحجر القلب، متبلد العواطف! مصاب بالأمراض النفسية! أحسست بالندم على كل
الخدمة التي قدمتها له ولمقر اللواء, فقد بذلت كل جهدي لأداء أفضل خدمة لهذا
اللواء ولجميع منتسبيه من ضباط وضباط صف وجنود,
والعلاقات الطيبة التي كنت سبباً لها بين مقر لوائنا وبين اهالي القرى المجاورة..
كلها قد إنتهت في نظري!
في اليوم التالي إستأذنت الآمر لعمل طارئ في (أربيل)، ركبت
سيارة الإسعاف التابعة لي, وتوجهت نحو
(أربيل) حيث ذهبت مباشرة الى مقر(وحدة الميدان الطبية الخامسة (وم ط 5)). حكيت
لآمرها (النقيب عبد الهادي) كل قصتي مع الآمر, ثم طلبت منه إنهاء تكليفي بتلك
المفرزة لإنقضاء أربعة شهور فيها. وافق (عبد الهادي), وفوراً إتصل بقيادة (اللواء الثالث) (وهي الجهة الأعلى ل(وم ط5)) وكلًم آمر اللواء
وإستحصل منه أمراً ب(إنهاء تجحفل) مفرزتي الطبية مع ذلك اللواء الإحتياط (102)
والتحاقي ب(وم ط5) على أن ينفذ
الأمر... فوراً!.
وفي نفس اليوم
عدت إلى غرفتي في مقر اللواء في (كومسبان), ولكن هذه
المرة لحمل امتعتي ثم المرور على الآمر المذهول.. لتوديعه! وركبت سيارة الإسعاف
وانطلقت الى (أربيل)..
وطوال عدة أسابيع أرسل
(العميد هلال) أكثر من أربعة كتب رسمية الى مقر (اللواء الثالث) و نسخ منها إلى
(وحدة الميدان) يحث فيها على تنفيذ (العقوبة)، وفشلت كل مساعيه بإصدارأمر بعقوبتي،
حيث تم إهمال طلباته لأنني كنت متجحفلاً معه ولا أتبعه إدارياً بل أتبع (اللواء الثالث) و(وحدة الميدان الخامسة). كان موقفه غريباً جداً ولا أجد له تبريراً أو تفسيراً
اوعذراً, ولحد ألآن لم أجد له أي تفسير منطقي!.
ثم عندما تمادى وبشكل غير معقول في طلب تنفيذ
العقوبة، وبعدها بدأ يكتب الطلب تلو ألآخر الى (اللواء الثالث) لإرسال مفرزة
طبية بديلة..عندها قررت... أن أقوم بمعاقبته... أنا!
أقنعت آمر
وحدة الميدان (النقيب د عبد الهادي) إن موقع (اللواء الإحتياط١٠٢) هذا, هو قريب ً
من (أربيل) ولا يحتاج الى مفرزة طبية، وإنه من الأفضل (أن يوفّر) أطباءه (للمهمات الصعبة)!. أخذ (عبد الهادي) يرسل إعتذاراً
كلما إستلم طلباً بإرسال مفرزة طبية الى ذلك اللواء، حتى عندما كان (آمر اللواء الثالث) يتصل به
هاتفياً. أغلب الأحيان كان يعتذر بأن عدد الأطباء الموجود لديه قليل وجميعهم مكلف بواجبات ولا يوجد لديه فائض!
وحرصت بدوري على ان لا يتم إرسال أي مفرزة طبية لذلك اللواء, طوال الأشهر الخمسة التي كانت قد
تبقت.. لحين تسريحي!.
وبذا شعرت
بأنني قد انتقمت منه! وحرمته من تواجد طبيب معه لإذلاله، أحسست بلذة الإنتصار وحلاوة
الإنتقام ممن بدأ الإساءة لي (واحدة
بواحدة.. والبادئ أظلم)! رغم إنني في قلبي كنت أتمنى لو أن الأمور قد جرت بشكل آخر, وأن تدوم تلك الصداقة بيني وبين ذلك الآمر (شديد الثقافة)!.
المشكلة بضباط الجيش مهما تقدم له من عمل يبقى حاقد على المدني. موقف غريب جدا من هذا الأمر هلال.قصص جميله جدا وياريت تستمر بسرد هذه القصص لما بعد التسريح من الجيش ودخول الحياة المدنيه أستاذنا الفاضل
ردحذف