2-2 أم القش

 2-2    أم القش

 أ.د.  سامي سلمان

        في صيف 1961  كنت في الصف الخامس ابتدائي .. وكان  شقيقي الذي يصغرني بسنة واحدة في الرابع ابتدائي.. قام والدي بتسجيلنا في الدورة الصيفية لمدرسة (الرافدين الأهلية) والتي  كانت في محلة ال(صالحية),  وكان مدير المدرسة وصاحبها المعلم الأرمني (خليل عبدالأحد آقاي), كل ذلك كي يتخلص اهلنا من (مشاكل) المنطقة الشعبية التي نسكنها (الجعيفر- الكرخ), وكي يضمنوا لنا  مستقبلاً وتعليماً افضل اثناء العطلة الصيفية...

        كان والدي يوصلنا الى المدرسة في الصباح بسيارة (البيك اب) التي يستعملها في عمله، ويعطينا مبلغ أجرة  العودة ب(حافلة نقل الركاب), الا انني وشقيقي كنا نأخذ طريقا مختصراً من المدرسة إلى منطقة (الازرملي), حيث تقع سينما (قدري)... لم تكن السينما تهمنا، ولم نكن ندخل السينما, إلا أن ما كان يثير فضولنا بشدة,  هو أحد الدكاكين القريبة من السينما، حيث كان صاحبها يبيع قصاصات طول كل منها بضعة أمتار مقتطعة من أفلام عالمية.. هندية أو أمريكية او مصرية.. كل قطعة (فلم) بعشرة فلوس او عشرين فلساً حسب طوله.. كنا نصرف النقود المخصصة لحافلة الركاب في شراء تلك الأفلام, ثم نسير الى منطقة توقف الحافلة وعيوننا تتفحص الناس الكثيرين الذين ينزلون من الحافلة, وما إن يلقي أحدهم ببطاقة ركوبه, حتى نلتقطها  بسرعة من الأرض كي نصعد الحافلة بثقة!, أو نتسلل في الحافلة بدون بطاقة  وبدون علم (الجابي), وهو محصل النقود الرسمي في الحافلات!..

       نعود إلى البيت ونحن نحمل كنزنا الثمين من مقاطع ألأفلام.. ونحاول ان نمرر ضوء الشمس خلالها كي نستمتع بالمشاهد التي تسلسل ببطء لحركة أبطال الفيلم ونتصور أنفسنا ونحن نشاهد القصة!!..

       بعدها طرأ على بالي و(بال) شقيقي أن نصنع بأنفسنا جهاز (عارضة للأفلام)!!... كان عندنا صندوق خشبي، وتصورنا إن كل ما نحتاجه هو (عدسة  مكبرة) وضوءاً كهربائياً, ولم نكن نملك المال لشراء (العدسة)... واقترحت على شقيقي أن نقوم بصنع واحدة بأنفسنا!

        أمسكنا بمصباح كهربائي شفاف محترق (گلوب ابو الستين),  وسرقنا مقص الخياطة من أمي... ثم انهمكت بنشاط بتفريغ قاعدة المصباح من المادة الصلبة التي تحفظ الأقطاب الكهربائية.. باستعمال رأس الفك المدبب من المقص.. بعد جهد ساعة وصبر عجيب أوشكت على النجاح وتفريغ القاعدة تماماً من المادة الصلبة المزعجة... ثم فجأة حصل مالم يكن بالحسبان!

        إنفجر المصباح المفرغ من الهواء بيدي! وتناثرت شظاياه لتستقر إحداها داخل عيني!.. وصرخت من الألم وأغمضت عيني المصابة ولم يعد بإمكاني  فتحها لشدة الألم...

         ركض شقيقي لطلب النجدة .. وخلال دقائق كان والدي قد جاء مسرعاً من مجلسه المعتاد في المقهى الواقع في رأس الشارع، واخذ بيدي بعد أن أوقف (عربانة ربل) وهي (العربة التي يجّرها حصان).... والتي انطلقت بنا بسرعة باتجاه محلة ال(مشاهدة ) مارّة  بمحلة ال(رحمانية) و(قدوري الحداد) و(الشيخ علي)...  اقتادني والدي راكضاً في الأزقة الضيقة لل(مشاهدة) وأنا اصرخ من شدة الألم، حتى وصلنا الى بيت قديم ربما زاد عمره عن المئة عام... طرق والدي الباب الذي فتحته إمرأة مسنة ربما كان عمرها يقارب عمر دارها هذا!... نخاها والدي متوسلاً :

" أم شاكر يمعودة .. فاتت گزازة بعين ابني!" ..

       وفي ال(مجاز) الضيق لدارها .. وهو(ال(كوريدور) القصير) .. امسكت العجوز برأسي بيدها اليسرى بثقة... ثم وبرشاقة  قلبت جفني العلوي بأصابع يدها اليمنى وبثانية واحدة مررت حافة (لسانها) داخل عيني..  و(هوووووب) هاهي قطعة الزجاج  ملتصقة على لسانها!... واختفى الألم فوراً من عيني!

        (أم  شاكر) كان الناس في الكرخ يسمونها (أم الگش) (أم القش) لأنها تخرج ال(قش) من العين, وكذلك أيّة أجسام غريبة تدخل العين بخفّة وبسرعة ... البرق!... لا أدري للآن إن كانت تفعلها مقابل مكافأة مالية..  ام لل(أجر) كما يفعل أهلنا الطيبون, حيث لم أرها تطلب من والدي أن يعطيها شيئاً مقابل إحسانها!...

        بعد هذه الحادثة بأسبوعين أو ثلاثة .. وجدتني أسرق نفس المقص من أمي .. واختبئ مع أخي في مكانِ منزوِ وأنا أحمل بيدي (گلوب ابو الميّة).. في محاولة جديدة لصنع (العدسة المكبرة) المنشودة المطلوبة لإتمام جهاز عرض (الأفلام العالمية)!.. وبعد نضال مع قاعدة المصباح.. انفجر هو الآخر بيدي ... وإستقرت قطعة زجاج في عيني.. وهرع والدي مسرعاً لأخذي ل(أم شاكر- أم الگش).. والتي  (لحست) عيني بلسانها وبرشاقة عجوز في التسعين من عمرها... وبسرعة البرق.. اخرجت قطعة الزجاج المستقرة على حافة لسانها!..

       كنت جالساً في (العيادة الاستشارية للعيون) في (مستشفى الكرامة) افحص مرضى (الرمد الصديدي) والماء الأبيض (الساد) وأقوم بقياس ضغط (الماء الأزرق) بالجهاز النحاسي الذي يشبه (الفرجال), وبين  حين وآخر يأتيني عامل من ورش النجارة الكثيرة التي تغص بها أزقة حي (الدوريين) وال(علاوي) و(الأزرملي) وقد دخلت (قشّة خشب) في عينه, أو يأتيني أحد الحّدادين وقد إستقرت (بليسة) حديد في عينه,  جميعهم يستنكفون من إستعمال أي وسائل حماية العين اثناء عملهم...

       أقلب الجفن العلوي للشخص, وأسّلط الضوء على عينه وأبذل  قصارى جهدي للبحث والعثور على (الجسم الغريب) الذي دخل في عينه..  وبعد جهود, ووقت عدة دقائق ثمينة,  قد أتمكن من إستعمال الملقط الدقيق الخاص و إخراج الجسم الغريب من عينه بنجاح...

       طوال الوقت كان شبح (أم القش) يطوف حولي يعذبني.. آه  لو يسمحون لي أن  أضع لساني في  عيون مرضاي.. وأمرر مقدمته على كرة العين.. كي يلتصق بها الجسم الغريب.. وكل ذلك خلال جزء من الثانية  الواحدة.. كما كانت تفعل تلك العجوز الساكنة في محلة  (المشاهدة)!!

       رحم الله العجوز  الطيبة (أم شاكر)... (أم الگش)...

تعليقات

  1. د. سامي، احلى ما تسرده من ذكريات، صراحتك في سرد حوادث فترة "شقاوات" الاطفال والمراهقين، وبدون تحسسك منها، فكلنا لنا مثيلاتها او قد يكون "اضرب" منها، الا ان اسلوبك المحبب في السرد يضيف لحلاوة الموضوع حلاوة. اذكر فترة السبعينيات عندما كان زميلي المغترب د. فايق البزاز يزور العراق كنت ادعيه في بيتي، وفي كل زيارة، ليلتقي اصدقاء الطرفين ، واكثرهم من طلبة الثانوية الشرقية، وكان نصف الحديث على الاقل عن "شقاوات" و"مطبات" الطلبة مع بعضهم ومع الاساتذة. كان لاكثرهم موقعا اداريا قياديا في دوائر الدولة، الا ان جميعهم كانوا ينسجمون ويتحدثون عن "شقاواتهم" في مرحلتي المتوسطة والثانوية وكانهم يعيشون تلك الفترات. كانت تلك من احلى الجلسات.

    رمزي برنوطي

    ردحذف
    الردود
    1. اخي الغالي رمزي... انا ليس عندي حساسية من شقاوات فترة الطفولة فهي كانت جزء من بناء شخصيتنا واعتدادنا بذاتنا... ويحزنني ان ارى جيل حالي كل اهتمامه ان يعيش في عالم افتراضي مع الاي باد وليس في العالم الحقيقي... مع كل حبي ودعائي لك بالصحة اخي الغالي.. لاتنسى انني زرت بيتكم وأكلت من كبة والدتك عندما كان هناك شخص مشترك بيني وبين أنور.. !

      حذف
  2. عاشت ايدك أستاذنا العزيز على هذا السرد والقصص الرائعه والجميله.ذكريات جميلة ربي يحفظك من كل مكروه ويطيل بعمرك بالصحه والعافيه

    ردحذف
    الردود
    1. شكرا جزيلا على مرورك الكريم واطرائك للمدونة وان شاء الله القادم سيكون ممتعاً.. مع الود

      حذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

4-2 بكرين و صدّامين وأربع قصص حزينة

2-7 مستشفى طوارئ الرصافة

3- طبيب... عتوي