2 -1 أوفثالمو-سكوب
2 -1 أوفثالمو-سكوب
أ.د. سامي سلمان
بعد التسريح من الجيش
وراحة يومين فقط , راجعت (مديرية الخدمات الطبية)
والتي كان يرأسها (إختصاصي العيون خلدون درويش لطفي) وجدت هناك البعض من زملائي
حيث تم اصدار كتب التحاقهم بنفس
الاختصاصات التي تم تسويقهم منها قبل عام ونصف وذلك للعمل فيها لمدة شهر واحد لحين
توزيعنا جميعاً على ال(قرى والأرياف)... أي إنني يجب أن أعود بكتاب التحاق رسمي
الى مستشفى الكرامة (شعبة طب الأطفال).. الا ان (خلدون لطفي) تمكن من إقناعي بأن
يكون دوامي في (مستشفى الكرامة.. التي أعشقها!) الا انه سيكون في إختصاص جديد
كلياً علي, الا وهو التدريب على (جراحة العيون) حيث كانوا في أمس الحاجة الى مقيم
دوري فيها...
بالرغم من حبي الشديد
ل(طب الأطفال) الا أن حبي للمغامرة ولكل ماهو جديد تغلب على عواطفي الأخرى ووجدتني
أوافق فوراً وأستلم كتاب رسمي للعمل في (شعبة طب وجراحة العيون).
إلتحقت هناك في نفس
اليوم كي يحتسب لي ذلك اليوم راتباً... وتعرفت على المقيم الأقدم.. الذي دار
بي في الشعبة ليريني ماهي الخدمات التي
يتوجب علي القيام بها...
(جراحة العيون) في مستشفى الكرامة كانت من
أنشط جراحات العيون في العراق كله... فقد كان هناك (شعبة اخرى) في مستشفى مدينة
الطب وهي لتدريس وتدريب طلبة الطب, الا ان مستوى العمليات في مستشفى الكرامة كان
يتفوق عليها... كان يعمل بها ثلاثة اختصاصيين .. (نجيب هنودي) الرجل الطويل النحيف
الذي هو في منتهى الأدب والطيبة, (ثريا فتوحي مراد) شقيقة (أمل فتوحي مراد) كانت
شديدة البدانة الا انها لولب نشط في الشعبة وفي اجراء العمليات.. والثالثة (عفراء
أمين خالص) زوجة استاذ الامراض النفسية (يوسف القاضي) .. كانت سيدة جميلة الشكل
ولها حصة كبيرة من المرضى والعمليات الصعبة والمتطورة آنذاك..
أول ما إبتدأ تدريبي
وفي خلال يوم واحد اتقنت كيفية القيام
ب(قلب) الجفن العلوي بإستعمال اصابعي الثلاثة للكف اليمنى .. امسك بالأهداب باحكام بسبابتي والإبهام, ثم أسحب الجفن مع
تثبيت قاعدته بإصبعي الوسطى وبحركة رشيقة أتمكن من قلب الجفن باطنه ظاهراً وعندها يكون فحص العين سهلاً جداً.. في
تلك الفترة من تأريخ العراق (1976) كان الرمد الصديدي (التراخوما) متفشياً في
المناطق الشعبية وكان مجرد النظر بالعين المجردة الى باطن الجفن الأيمن حتى ترى
الدمامل المتقيحة والتي إن تركت فسوف تؤدي الى انكماش الجفن الأعلى الى الداخل
وإحتكاك الأهداب بقرنية العين و سرعان ما يسبب ذلك تلف القرنية والتي هي من أهم أجزاء العين.. وعند تلفها تصاب ب(العتامة)
والعمى...
وفي نفس اليوم الأول
لي تعلمت خبرات بسيطة مثل كيفية قياس ضغط العين عند المصابين بالماء الأزرق بواسطة
جهاز بدائي جداً يشبه ال(فرجال) توضع قاعدته على العين ويتم ضغط القاعدة بلطف حيث
هناك ذراع معدني دقيق يتحرك ليسجل مقدار الضغط.. ثم بعد بضعة أيام تعلمت طريقة دراسة باطن العين والشبكية بالمنظار
(اوفثالمسكوب)...
في ذلك الوقت كان
الكثير من المرضى مصابين بالماء الأبيض في العين وهي (عتامة) عدسة العين حيث تحصل
ترسبات في العدسة تسبب فقدانها لشفافيتها تدريجياً.. معظم الحالات بسبب التقدم
بالعمر.. فحص المريض كان بإستعمال المنظار
حيث نجد بأننا لا يمكننا رؤية قاع العين بسبب (عتامة العدسة) .. بعدها نجري فحصاً
بسيطاً على المريض وذلك بالطلب منه
بالوقوف على مبعدة مترين ثم يقوم بغلق احدى عينيه وإبقاء الثانية مفتوحة وحساب
عدد الاصابع التي نبرزها امامه .. اصبع او
ثلاثة اصابع او اربعة والطريف في الأمر إننا كنا لا نقرر حاجة المريض الى العملية
الا إذا وصل مستوى الرؤية حداً من
الإنحدار بحيث يمكنه حساب الأصابع فقط..وليس القراءة او الكتابة!!.
الشعبة مثل خلية النحل
تمارس عملها بنشاط دؤوب فبينما كان (نجيب هنودي وثريا فتوحي وعفراء أمين) يتناوبون
على العمليات, كل له يومين من الأسبوع, فقد كانت العيادة الإستشارية يؤمها المئات
من المرضى للفحص والعلاج يومياً...
كان يطلب مني أن اقوم
بالمساعدة اثناء إجراء العمليات .. في ذلك
الوقت كانت ابسط عملية تجرى هي عملية تصليح الجفن المنحرف الى الداخل (الشتر
الداخليIntropion ), كما كان هناك عمليات تصليح (الشتر الخارجي Ectropion) للأجفان السفلية المنحرفة الى الخارج.. أما
العمليات المهمة الاخرى فكانت عملية الماء الابيض... حيث وفي ذلك الوقت كانت تجرى
بعمل شق دقيق أعلى كرة العين فوق القرنية ثم يتم إستعمال قمع دقيق من المعدن له ساق رفيعة
جداً يتم إدخال الساق الى داخل العين حتى يلامس عدسة العين, ثم يتم ملء القمع
بال(نايتروجين السائل) والذي هو في درجة حرارة تصل الى اقل من (-200 ) ناقص
مئتين تحت الصفر, مما يجعله يلتصق بشدة بعدسة العين وبالتالي يتمكن الجراح من سحب
العدسة كاملة ملتصقة بساق القمع...
لم يكن هناك اي عدسات
صناعية توضع داخل العين في ذلك الحين مثلما نفعل الآن وعليه يجب تزويد المريض
بنظارات طبية ذات زجاج سميك وقبيحة المنظر (كعب قنينة).. للتعويض عن العدسة
المنزوعة من العين!... وكانت تلك هي افضل الحلول للماء الأبيض, وبخلافها العمى..
لكن العملية الأكثر
غرابة والتي لاتزال تراود مخيلتي لحد الآن
كانت عمليات (زرع القرنية)... القرنية هي جزء شفاف جداً من غلاف كرة العين
ومنها ينفذ الضوء الى بقية أجزاء العين..
وهي تتلف عندما تصاب بأمراض وخدش مستمر من الأهداب عند مرضى (الرمد الصديدي) وكذلك
في أمراض مناعية اخرى.. وبمجرد جرح او ضرر القرنية فأنها تغزوها اوعية دموية من
شرايين وأوردة ويتم تعويض نسيجها الفائق الشفافية بنسيج معتم ... وبذا يصاب المريض
بالعمى الدائم...
في أحد الأيام قال لي
الطبيب المقيم الأقدم وهو مسرور.. تم إبلاغنا بالتهيؤ لإجراء عملية (زرع قرنية )
لم أكن أعي ما يقصد وماسبب هذا (الإبلاغ) و(التهيؤ) .. حتى عرفت الحقيقة المفزعة
نوعاً ما... فقد كانت القرنية التي تستعمل للزرع تؤخذ من شخص تم (إعدامه).. ويجب
ان تتم عملية استئصال القرنية من
الشخص ال(معدوم) في خلال ساعة من تحقق موته .. وجلب القرنية في داخل سائل
حيوي خاص ربما كان الماء الملحي المعقم..
وعلى الفور يجب ان تكون صالة العمليات والمريض المتلقي للعين على طاولة العمليات
وكل العمملية تجرى خلال مدة أقصاها اربع وعشرون ساعة من الإعدام!!...
عندما أفكر الآن ...
بعد مرور أربعة وأربعين عاماً على تلك
التجربة .. أرى كم تغيرت أحوالنا... فعملية زرع القرنية لا تجرى في العراق الآن إلا
نادراً حيث يتم جلب القرنيات بأوعية محكمة خاصة من متبرعين بعد وفاتهم في دول
اخرى, كما انني عرفت من الأخ الاستاذ الدكتور (نجاح القريشي) ان بعض الجراحين
الهنود يجرون العمليات في العراق وقد جلبوا معهم قرنيات محفوظة في سوائل خاصة, لكن
تبقى أقرب دولة تجرى فيها هي (إيران) حيث يسمح بالتبرع بالأعضاء بعد الوفاة, وأعرف البعض من مرضاي الآن ممن اجريت لهم تلك
العملية في الدولة الجارة إيران او في دول قريبة اخرى لأن قوانينهم تسمح للأنسان
بالتبرع بأعضاء الإنسان بعد موته ولا أدري ماهو الوضع القانوني لهذا الأمر في
بلدنا حالياً...

أحسنت النشر انا ايضا كنت في م. الكرامه نفس الزمن تقريبا في قسم الأمراض الباطنيه مع د. خلدون حلمي والجنابي وكذلك د. توفيق الأنصاري.. وكانت ايام لاتخلوامن مفارقات.. ولكن لاتنسى لان خطوبتي وزواجي كان بها.. بحدود سنة ١٩٧٨الى ١٩٧٩.
ردحذفكان مستشفى الكرامة من المستشفيات الجيدة والتي فيها تدريب جيد في كل الإختصاصات المهمة... للأسف لا اذكر اسم المقيم الأقدم في العيون والذي قام بتدريبي الابتدائي...
حذفلم اتمكن من معرفة اسمك من رسالتك... ارجو ان نتعارف..
مع الود
عزيزي سامي
ردحذفذكرت اسماء لامعة لاطباء العيون في العراق د خلدون درويش لطفي و د نجيب هنودي و د عفراء امين خالص و د ثريا فتوحي و بخصوص عمليات زرع القرنية كذلك كان لدينا فيها شحة و تم تغير قانون زرع الاعضاء بالنسبة لزراعة القرنية حيث انتدبت انا و د معيد الخشن الى وزارة العدل الهيئة الاستشارية فيها و تمت الموافقة على اخذ القرنيات من المعدومين المجرمين العاديين و ليس السياسين و يذلك تمكنامن الاستمرار في اجراء عمليات زرع القرنية