تــنــويــه:
الصفحة التالية –على خلاف المعتاد- لم أكتبها أنا, فهي قد ارسلها لي زميلي الطبيب المختص بفحص وضائف القلب د(حارث بلال).
(د حارث) كان زميلي في الإعدادية في (كلية بغداد) 1962-1967 ثم في (كلية الطب جامعة بغداد) 1967-1973 وبعد خدمة الإقامة الدورية تم تسويقه معي للخدمة العسكرية في مدرسة الطبابة العسكرية في معسكر الرشيد ثم تم زجه في حرب شمال العراق عام 1974. ارسل لي ما كتبه عن ذكرياته في الخدمة في الشمال وهي الحرب التي استمرت خمسة سنوات بين الجيش العراقي من جهة و(العصاة) ألاكراد تدعمهم وبكل ثقلها قوات (شاه إيران) من جهة اخرى, ووجدت الانسب ان افرد لها صفحة كاملة لوحدها.. لأنها تستحق ذلك, أرجو أن تروق لكم.
ملاحظة ثانية: حاولت أن اترك النص كما أرسله أخي د حارث دون الكثير من التصحيح, وذلك حفاظاً على أمانة النص.
12- هل هي : بم..ززز أم ززز.. بم؟ اد سامي سلمان
كتب د حارث:
عند وصولي إلى مستشفى اربيل العسكري سنة ١٩٧٤ كخطوة أولى في الوصول إلى وحدتي العسكرية المنسب لها وهي (الفوج الثاني اللواء الثالث الفرقة الثامنة)، اول شيء سألته للموجودين هو:
" أين وحدتي العسكرية" دون أن أحصل منهم على جواب!.
في هذه الأثناء جاء من الخارج الطبيب (محمد السامرائي) لابساً بسطال ومعطف طويل وغطاء الرأس الصوفي المسمى (كليتة), وهو من الدورة السابقة لنا. تلقوه جماعته وصرخوا:
"انت لايؤثر فيك لاقصف ولاهجوم!. أخبرنا ماهي الأخبار في الجبهة".
أجاب دكتور محمد "والله اليوم القصف شديد جداً... وبدون توقف".
وأراد أن يكمل حديثه, لكن أحد جماعته أسكته وقال:
"عيني محمد.. على كيفك.. لأن الدكتور (وأشاروا علّي) هو بديلك"!.
نظر محمد لي وقال "حارث؟.. لاااا!.. مع الأسف!".
دكتور (محمد السامرائي) كنا قبل فترة قصيرة التقينا في الكلية وكان يحكي لي عن ضروفه في الحرب, ولم اركز على كلامه, ولم أعلم أني سأكون بديله!. هنا فقدت اعصابي وقلت له:
"اني لا اتحمل المزيد.. إخبرني ما هو الموضوع؟".
أجابني:
"ماذا أقول لك؟ ان مكانك هو خط الصد الأول على الجبهه, وقصف علينا مستمر ليلاً ونهاراً. وكل كم يوم يهاجموننا. لكن المهم أن الآمر (محمد جدوع) هو إنسان متفهم ويحترم الطبيب. وانا قد صلحّت الملجأ التي ستكون فيه. وحظك عدل, السيارة التي جئت بها مازالت موجودة تحت.. حتى يأخذك للفوج!."
خرجت من مستشفى اربيل العسكري وركبت السيارة الجيب (كاز قيادة) التابعة للفوج وكان جالسا فيها (نائب ضابط استخبارات) إضافة إلى السائق. أخبرني السائق اننا سنذهب أولاً إلى مقر الفوج الدائم في داخل (معسكر اربيل العسكري) كي يسلموني سلاح. وفعلا عند وصولنا المبنى الذي كان شبه فارغاً.. سألني مدير المشجب (مخزن السلاح):
"ماذا تريد دكتور مسدس.. او رشاش.. أو اثنينهم؟"
أجبته:"انا طبيب، ماذا سأفعل بالرشاش؟ بعدين انا سأذهب وإعالج الجرحى, لا أريد أن احتار بالرشاش واخاف أن افقده وتحدث لي مشكلة"!.
اجابني: "انت ستحس بالوحدة.. بدون الرشاش"!.
قلت له : "اعطني مسدس فقط".
أخذت المسدس وركبت السيارة وبدأت الرحلة إلى الفوج المنتشر في الجبهة. في الطريق وعند وصولنا إلى قرية ( كورة) قال النائب ضابط "هنا جرح الدكتور فلان بطلقة".. واستمر على طول الطريق يحكي قصة تقدم الفوج. وصلنا إلى مضيق ( كلي على بيك) ونظرت الى الوادي جنب الشارع. خلصّنا الكلي وطلعنا إلى سهل مدينة اسمها (ديانا) وهي مهجورة من قبل أهلها المسيحيين بسبب العمليات العسكرية. سمعت صوت انفجار قوي مع صداه بين الجبال العملاقة المحيطة.. ورأيت عمود دخان. قال النائب ضابط: "ضرب"!
سألته: "ماذا تقصد؟"
اجابني "يعني يقصفنا".
اجبته: "هناك عمود دخان على اليمين وعمود على اليسار, يعني نحن ضمن مجال القصف"؟
اجابني: "نعم.. ولهذا ترى السائق قد زيّد السرعة حتى نصل إلى تلك البناية قبل أن يصيبنا"!.
وفعلا وصلنا إلى البناية المحصنة والتي كانت في الاصل مدرسة. ونظرت إلى السقف ورأيت انهم قد شيدّوا سقفاً ثانوياً من الخشب واكياس الرمل.
التقيت بضابطين وكانوا لم يحلقوا وجوههم لمدة عدة أيام خلافا للقوانين العسكرية. أحدهم قال لي وهو ينظر لي:
"عندي لك مسدس وسترة.. وبسطال".
عرفت من كلامه إنه مسؤول عن التجهيزات.
انا في هذه الأثناء تسائلت في نفسي: "هل انا سأعيش في هذا المقر الخطر"؟ وفي تلك اللحظة سمعت انفجارا قويا وقريبا. قالوا لي وهم غير مهتمين للانفجار:
"دكتور لاتخاف.. هذه تابعة لنا. ( يقصد مدفعيتنا)".
وبعد فترة قصيرة سمعت صوت انفجارأضعف.
ظهر الخوف على وجوههم وقالوا: " هذه تابعة لهم"! يقصدون مدفعية العدو!.
سألتهم: "كيف تميزون بين الاثنين"؟.
اجابوا: "إذا تسمع ( بم.. ززز) يعني مدفعيتنا". !!
وإذا سمعت "( ززز.. بم) يعني مدفعية العدو, بس انت لا تقلق دكتور... لأن القنبلة التي ستقتلك لن تسمع صوتها".
بهذه الأثناء جاء اتصال هاتفي اجابه الضابط الآخر وهو يقول:
"نعم سيدي.. نعم سيدي".
استدار نحوي بعد غلق التلفون وقال: "هذا كان السيد الأمر وسأل عنك، هل وصل الدكتور؟، ارسلوه لي!".
أجبتهم "لماذا أذهب الى الأمر؟ أين هو الأمر؟" حيث إنني طوال الوقت كنت أظن إن أحدهم هو الآمر!.
أجابوني "هو في المقر المتقدم للفوج".
سألتهم بتعجب: "لكن.. ماذا يكون هذا الَمقر"؟.
أجابوني: "هذا مقر الفوج الخلفي".
تسائلت بقلبي "إذا هذا المقر الخلفي يتعرض للقصف باستمرار، كيف سيكون القصف على المقر المتقدم الذي سأذهب له؟".
ركبت السيارة من المقر الخلفي للفوج في قرية ديانا في حوض راوندوز متجها
إلى المقر المتقدم في أعالي الجبال في منطقة جبل ( تاتان المكون من ست قمم) وجبل
ظهر السمكة. ( سمي هكذا لأنه يشبه الحوت) وبعد وصولي إلى منطقة عبارة عن شارع
ترابي ضيق قال لي السائق:
" وصلنا سيدي"
قلت له " لكني لا أرى شيئاً!"
قال: "هذا ملجأك. وهذا ملجأ المفرزة الطبية التابعة لك".
دخلت الملجأ الخاص بي وكان عبارة عن صفيحة معدنية فوق اربع صخور. والسقف
واطىء جدا، والطول بطول جسمي. تعرفت على مفرزتي الطبية المكونة من سائق الإسعاف (فوزي)
ومن نائب ضابط مضمد ومن مراسل.
قالوا لي" السيد الأمر يريدك"
سألتهم " أين"؟
أجابوا "فوق"!.
صعدت جبل صغير وممره يكفي
شخص واحد، وإذا عثر يقع في وادي. وصلت إلى الأعلى. استقبلوني جيدا وجلست معهم.
كانوا ستة ضباط ولكنهم قلبوا رتبتهم حتى لا يشخصهم قناص الأعداء الذي يستهدف
الضباط. لم أعرف من هو الآمر حتى انتبهت أن الجميع يقولون له " نعم سيدي"
كلما تكلم.
بهذه الأثناء زاد القصف الذي
لم ينقطع اصلا. قال الآمر "اعتقد ان الدنيا بردت، فخلينا كل واحد يذهب إلى
ملجأه". الجميع صرخوا "نعم سيدي". قالوا لي "دكتور روح إلى
ملجأك ونتكلم غدا".
ذهبت إلى ملجأي ونمت. في صباح
اليوم التالي صعدت إلى فوق قرب المقر، من الساعة الثامنة صباحا حتى اثبت تمسكي
بوقت الدوام. لم أجد غير الحرس.
سألتهم "أين الدوام" ؟.
أجابوا "لا يوجد دوام, كل الضباط نائمين لأنهم يسهرون الليل كله"!
كان عندي طبع أن استطلع المكان الجديد... وتمشيت
وأنا أتفرج على منظر الجبال الشاهقة. فجأة صرخ بي أحد الحرس وقال:"مكانك سيدي"!
جاوبته: "لماذا؟"
قال: "إنك متجهه إلى حقل الألغام. شوف هذا السلك، سلك العثرة به لغم
من كل جانب"!. ذكرنّي هذا بالمحاضرات التي درسناها في الدورة. عندما التقيت
بالأمر لاحقا قلت له:
"سيدي هناك ألغام حولنا".
قال: "نسينا ان نخبرك. هذه الألغام نحن زرعناها لأننا الخط الأول أمام
الأعداء ونخاف من تسللهم، وبكل الأحوال.. انصحك أن لا تتجول كثيراً!"
تعليقات
إرسال تعليق