6- أول إجازة دورية

هذه  المدونة تحكي عن فترة خدمتي  الالزامية في الجيش (1974-1976) حيث تم منحي رتبة ملازم مجند احتياط في الحرب التي دارت في شمال العراق بين الجيش العراقي من جهة وبين المقاتلين الذين كانت تسميتهم الرسمية (العصاة) (المتمردين الاكراد) وتساندهم القوات الايرانية. 

6-أول إجازة دورية

ا د سامي سلمان

          بعد مرور حوالي شهرين على  إلتحاقي بالفوج السادس لواء ستة وتسعين (ف6ل96) تم ابلاغي بصدور إجازتي الدورية مدتّها عشرة أيام … إستلمت كتاب (عدم التعرض)  وكنت في غاية السعادة ونمت ليلتها مرتاحاٌ مع بعض القلق.. (كتاب عدم التعرض) ليس سوى قصاصة ورق صغيرة لايزيد طولها على عشرة سنتمترات مختومة وموقعة من قبل آمرية الفوج تتظمن إسم المنتسب المجاز وتأريخ ألإجازة.. وهي مهمة جداً حيث يجب أن يحملها معه اينما يذهب طيلة فترة ذهابه وإيابه من الإجازة! لإثبات ما يسمى (سلامة موقفه)!..   إ كان قلقي إنني لست متأكداً من سلامة وصولي إلى بغداد الحبيبة, إذ إنها أول إجازة  لي, و كيف سأصل الى بغداد… كانت مفاجأة غير  متوقعة, لكني علمت  في ما  بعد  إنها قد  تزامنت (عمداً)  مع  إجازة  آمر الفوج… حيث إن  قادة الوحدات العسكرية يحرصون على  أن  تكون  إجازة الطبيب  متزامنة مع  إجازاتهم… لأنهم يشعرون بالإطمئنان  لوجود الطبيب  حولهم أثناء رجوعهم من إجازاتهم, فهو صمام  الأمان  لهم خشية قصف مدفع او لغم  مفاجئ قد يسبب لهم  ما  لا تحمد عقباه…بل إن ال(آمر) كان يحرص  على  أن ارافقه في  جولاته التفقدية لقطعاته ويحملني  جنبه في نفس العربة, عرفت  في ما  بعد إن  ذلك كان إجراءً إحترازياً (غير معلن), حفاظاً على حياته, وإن  كنت أتمنى أن يكون ذلك من باب الإعجاب  بشخصي والمودة لي!!..

       في  الصباح الباكر إرتديت قطعتي الملابس المدنية الوحيدتين اللتين  بحوزتي.. وصرت  جاهزاً  للإنطلاق.. ركبت  في مقدمة  شاحنة الأرزاق ال(إيفا) جنب السائق والذي لم  تدم سعادته  بوجودي جنبه.. إذ سرعان  ما  جاءني (رئيس العرفاء)  وأنزلني من صدر الحافلة وهو يعتذر خجلاً لوجود (عريف)  سيركب الشاحنة, وإنه مضطر لإحترام السياق العسكري وبذا فيجب أن أنتقل الى ظهر الشاحنة… لم أشعر بالإستياء من ذلك, فقد كنت  أرى إن الرجل  محق في ما فعل, وإن  علامات الخجل كانت بادية عليه.. ولكن النظام العسكري يجب أن ينطبق على الجميع دون إستثناء حفاظاً على هيبة الجيش وضوابط  القِدَم العسكري… 

        قفزت الى ظهر الشاحنة وأنا أشعر بشئ من خيبة ألأمل بعد أن كنت  أمنَي نفسي بالمقعد الوثير في مقصورة الشاحنة, وجلست على المصطبة وأنا مستعد نفسياً لإستقبال رضوض مؤخرتي ألتي سأعاني منها عندما تصل الشاحنة الى منطقة مطبّات الطريق الحجرية…

        كان فصيل من الجنود قد عادوا لتوّهم قبل أن يؤذن لشاحنتنا بالإنطلاق. هم فصيل يخرج فجر كل يوم مشياً على  الأقدام ..مع معدات  بدائية بسيطة للكشف عن  الألغام المزروعة على  الطريق.. هذه المعدات تكشف فقط عن الأجسام المعدنية, أما  البلاستيكية المتطورة التي استعملت مؤخراً فلنا الله وحده لحمايتنا! وقد عاد هذا الفريق لتوه معطياً الإشارة  لنا  بالتحرك…

        وصلت (أربيل)  والحمد لله بسلام..  ثم ركبت بحافلة عسكرية من نوع  (نصر)  مصرية الصنع, كانت  مخصصة للجنود  متجهة الى بغداد بعد أن حصلت على بعض الإعتبار لكوني (ج م طبيب).. توقفت الحافلة مرة واحدة فقط في (طوز خورماتو) حيث نزلنا عند أحد المطاعم البائسة لتناول طعام الغداء… مجرد أن تحركت الحافلة الى خارج طوز (خورماتو), حتى توقفت الى جانب الطريق وصعد فيها ثلاثة رجال طوال القامة يرتدون ملابس عسكرية أكثر أناقة من ملابسنا, وقد حمل كل منهم مسدساً الى جانبه مربوطاً بحبل ناصع البياض يمتد الى انشوطة تحيط بكتفه الأيمن, وإرتدى شريطاً نسيجياً أبيضاً فوق البسطال, ووضع كل منهم شريطاً عريضاً أحمراً على ذراعه وقد طرزت عليه الحرفان (أ.ع), دلالة على كونهم (إنضباط عسكري), منظرهم وطول أجسادهم كان يبعث الرهبة في من يراهم, لوّح أحدهم ب(عصا التبختر) التي يحملها ثم صاح (كل واحد يحضّركتاب عدم التعرض), وبدأوا يدققون القصاصات الصغيرة التي يحملها كل واحد منا.. كانوا يفتشون عن من لايحمل ورقة نافذة, وبالتالي يقومون عادة بإقتياده الى خارج الحافلة, ثم يقومون بإجراءات معاملته ك(جندي إفرار), حيث يقومون بحلاقته (نمرة صفر) ثم يسفر مكبلاً الى (سجن التسفيرات), وبعدها يتم توصيله ك(سجين) الى وحدته العسكرية, حيث يقضي فترة محكومية عقاباً لهربه, ثم يكمل ماتبقى من فترة خدمته الإلزامية بعدها!.. إقتادوا أحد المساكين خارج الحافلة, لم نفهم إن كان كتابه مزوراً أو متجاوزاً للفترة. ثم وبعد قرابة نصف الساعة انطلقنا الى بغداد…  لأصل  الى بيتنا في (حي دراغ) وتعرف عائلتي أخباري لأول مرة منذ أن غادرتهم قبل أكثر من شهرين!... 

        أثناء وجودي في بغداد هاتفني  أحد  زملائي من ابناء دورتي ليبشرني بالخبر المثير والسعيد… لقد صدر (مرسوم جمهوري) بمنح دورتنا جميعاً رتبة (ضابط مجند طبيب) (دورة الضباط المجندين25).. كانت نهاية إجازتي الدورية قد أوشكت عندما لبست الملابس العسكرية وقد اشتريت من السوق (رتبة) من القماش (الخاكي), وقد طرّز عليها (نجمة واحدة) بخيوط بنية وهكذا وببساطة تحولت من (جندي مكلف طبيب)  الى (الملازم الطبيب سامي سلمان)...  

      من الحافلة التي أقلتني إلى (اربيل) نزلت في الطريق عند (مركز شرطة قوشتبه) وفي هذه المَرة لم أفترش الأرض مع الجنود المنتظرين بصبر (شاحنة الأرزاق) كما فعلت سابقاً.. وإنما دخلت المركز بثقة, حيث استقبلني (مفوض المركز) بالوقوف والإستعداد وأدّى لي التحية العسكرية.. ثم خاطبني قائلاً (سيدّي)!.. أدهشني ذلك.. إذ لم يسبق أن خاطبني أحد بلفظة (سيدي)! وطلب مني أن انتظر بضع دقائق فقط لكي (يجهزوا) (لتوصيلي بأنفسهم الى مقر الفوج).. دهشت لما حصل بعدها… فقد كانت هناك سيارة شرطة بيكب (دبل قمارة) مع أربعة أفراد من الشرطة جلست على الجهة اليمنى من مقعدها الخلفي.. كما سارت خلفنا سيارة  (بيك اب) تحمل ستة من ألإكراد الواقفين بكامل أسلحتهم وهم من (الفرسان).. ((الفرسان) كان الإسم الرسمي للعشائر الكردية الموالية للحكومة والتي تقاتل مع الجيش مقابل إمتيازات ومبالغ مالية كبيرة.. أمّا (المتمردون الأكراد)  فإنهم يطلقون عليهم  لقب (الجحوش)).  كان هذا الموكب هو السياق المتبع لحماية الضباط والذين كانوا غالباً مستهدفين في عمليات إغتيال خاطفة!

       وصل الموكب الذي (يحميني) إلى مقر الفوج..   وهنا خرج آمر الفوج على عجل مغادراً البهو حيث تم  إخباره من قبل الربايا المتقدمة بالهاتف إن (سيارتيّ حماية)  قادمتان الى الفوج, وبما إنه لم يكن  ينتظر أياً  من الضباط حيث  ضباطه مكتملي العدد, فقد خشي أن يكون القادم أحد الضباط المهمين, أو إنه تفتيش مفاجئ للقطعات!!..  

         إبتسم ال(آمر) ضاحكاً عندما رآني أنزل من سيارة الشرطة الأمامية, فقد كان يعلم إنني سوف أنال  الرتبة في يوم ما وإنني بإنتظار مرسوم جمهوري بذلك.. أديت له التحية ورحب بي ثم أمر رئيس العرفاء بتوفير وجبة غداء جيدة لجميع أفراد الحماية من  شرطة وأكراد (فرسان).. قبل أن يعودوا الى حيث جاؤوا.

       ضحكت وأنا أنظر الى الآمر.. وتذكرت كيف إانهم رفضوا أن أركب في  مقصورة الشاحنة في ذهابي.. ثم هاهم الآن عشرة أفراد مع كامل أسلحتهم, وسيارتين عسكرية ليحرسوني! وأنا ذات الشخص لم يتغير مني شئ.. وتذكرت المثل البغدادي (الحمار نفس الحمار.. بس جلاله تبّدل)! (حاشاني)!!..

ملاحظة (ال (جلال) هو الفراش من الليف والصوف يوضع على ظهر الحمار لغرض الركوب.. مثل السرج للحصان)...


بعد النشر على المدونة وصلني التعقيب التالي من الزميل الدكتور (حارث بلال)

ذكرتني بيوم تسريحي من مستشفى أربيل العسكري واجرنا كوستر انا وزملائي الأطباء المتسرحين ولبسنا زي مدني وحضرنا هوية نقابة الأطباء في أيدينا حتى نبرزها بالسيطرات حتى لايسئلونا " وين اجازتك؟

 وكان أحدنا لابس الزي العسكري. عند السيطرات من أربيل إلى بغداد والبالغ عددها عشرة يصعد احد افراد السيطرة ويسألنا نحن اللابسين مدني: وين اجازتك؟ نقول له نحن متسرحين. يقول اعطوني كتب التسريح اشوفها. ولا يطلب من زميلنا اللابس عسكري اي شئ. تكرر الوضع في كل السيطرات. فصار عندنا فضول فسألنا السيطرة : انت شلون عرفت احنا عسكريين؟ أجاب ببرود قاتل: مو يطغاتكم فوك السيارة. في تلك اللحظة عرفنا شلون العسكرية وكفت دماغنا!

(اليطغ) هو فراش خفيف يبرمه و يحمله الجندي معه اينما ذهب وهو أهم جزء من متاعه!


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

4-2 بكرين و صدّامين وأربع قصص حزينة

2-7 مستشفى طوارئ الرصافة

3- طبيب... عتوي