4- النقيب مهدي
هذه المدونة تحكي عن فترة خدمتي الالزامية في الجيش (1974-1976) حيث تم منحي رتبة ملازم مجند احتياط في الحرب التي دارت في شمال العراق بين الجيش العراقي من جهة وبين المقاتلين الذين كانت تسميتهم الرسمية (العصاة) (المتمردين الاكراد) وتساندهم القوات الايرانية.
4- النقيب مهدي
ا د سامي سلمان
في خلال يوم أو يومين من مجالسة آمر الفوج وضباط المقر.. صرت أعرفهم كما لو كنت قد عشت معهم لسنين... فلا كهرباء ولا مولدات وبالتالي لا راديو ولا تلفزيون ولا أيّة وسيلة للترفيه, الضوء الوحيد في (بهو المقر) في الليل هو (لوكس) نفطي وهو (مصباح نفطي ذو فتيلة من الحرير) يعطي ضوءاً ساطعاً كان بالنسبة لنا قمة بالبذخ وال(برجزة)!.. (وهي كلمة مشتقة من (برجوازي))... كذلك لا توجد هواتف .. والهاتف الوحيد هو الخط العسكري والذي يعتمد على هواتف صندوقية كبيرة الحجم لها ذراع جانبي تقوم بتدويره بسرعة وشدة كي يحدث حث كهربائي يمكنك من الاتصال واستلام المكالمات... كانت السرايا الثلاثة التابعة لفوجنا متصلة بنا بهذه الهواتف وكذلك ربايا الحراسة وهناك خط ايضاً مع مقر اللواء...(وحدات الجيش تقسم الى التالي: فيلق يحتوي ثلاث فرق, فرقة فيها ثلاثة الوية أو أكثر, لواء فيه ثلاثة افواج أو أكثر, فوج فيه ثلاث سرايا أو أكثر, سرية فيها ثلاثة فصائل, فصيل فيه ثلاث حضائر, حضيرة فيها اربعة جنود ونائب عريف او جندي أول).
السرايا الثلاثة في فوجنا موزعة كالتالي .. (سرية المقر) وهي التي أنا (متجحفل) فيها والآمر وضباطه, ثم (السرية الثانية) وهي على قمة تل يبعد عشر دقائق عن مقرنا, وهناك ضابط برتبة (ملازم أول) يقود سريته من هناك وهم مكتفون ذاتياً في كل شؤونهم, ولهم اتصال معنا بواسطة الهاتف الميكانيكي. وعند مدخل السرية تقبع دبابة (تي62 ) روسية الصنع على قمة التل تعتبر جزءاً من (فصيل إسناد مدّرع) متجحفل مع فوجنا الذي هو فوج مشاة... يقوده ضابط شاب برتبة (ملازم درع).. يتعامل مع ضباط الفوج بعجرفة وغرور لأنه يعتبر (الدروع) ارقى سلالة من (المشاة)!! وهنا من الضروري أن أشرح انني أنا ايضاً اعتبر (مفرزة طبية) طارئة على الفوج ومتجحفلة معه لغرض الإسناد.
وهناك فصيل الدبابات متجحفل مع (السرية الثالثة) من فوجنا متكون من دبابة تحت قيادة ضابط ملازم درع شاب في منطقة تبعد حوالي عشرة كيلومترات عن مقر فوجنا حيث هناك تتموضع (السرية الثالثة) يقودها ضابط برتبة (ملازم أول) في مكان رائع الجمال على نهر ماء رقراق صافٍ وقرب قرية اسمها (قشقة).
يومياً تغادر شاحنة الفوج المحملة بالأرزاق تسحب خلفها عربة حوضية صغيرة الى مقر السرية الثالثة في (قشقة) حيث تملأ العربة الحوضية بالماء الصافي من النهر, وتعود ساحبة العربة الحوضية المملؤة بالماء الذي نستهلكه في حاجاتنا اليومية ,بعد أن تكون قد أفرغت حصة السرية الثالثة من ألارزاق... وفي كثير من الأحيان عندما يوصف مكان فوجنا (ف6 ل96) فإنه يعرّف بكونه مستقر في (قشقة وبستانه)...
الضابط الأسمر ذو الندبة البغدادية الكبيرة على خده (نقيب مهدي) صار صديقاً لي أكثر من بقية الضباط .. كان حلو المعشر, سريع البديهة, صاحب نكته, ثقافته العامة لابأس بها, وبالتأكيد افضل من الجهل المطبق الذي يتمتع به بقية الضباط! الا ان ثقافته الرئيسية كانت بالحديث عن النساء وعن العلاقات الجنسية.. كان يحفظ -على ظهر قلب- قائمة من الأسماء التي وردت في كتب التراث العربي القديم لأنواع النساء.. وانواع واحجام الاثداء! وعشرين نوع من انواع (فرج المرأة) ويتباهى بقدرته على إحصاء كل نوع منها واوصافه!. كنت مجبراً طوال الوقت على الاستماع لهذا النوع من الحديث, رغم عدم تقبلي لهذ النوع من المواضيع, إذ إنني وجدته عبث مراهقين, ولكن لم يكن هناك اي مفر.. اذ نحن فعلياً معزولون عن بقية العالم, محتجزون في هذا المكان, لاكهرباء ولا راديو ولا تلفزيون, وليست هناك اطلاقاً أي نوع من أنواع التسلية, اللهم عدا الاحيان التي كان النقيب الاشقر (عزت) يلعب فيها (الطاولي) مع أحد الضباط الاخرين. أما أنا فليس لي أي خبرة ب(الطاولي) وليس لي رغبة بأي لعبة تضييع الوقت, لكني كنت لا أمانع من الاستماع لحكايات الضباط ألإباحية والمملة!!.
بعد مرور أسبوعين أو ثلاثة انتبهت الى إن (نقيب مهدي) يستأذن الأمر او المساعد ويغادر المقر في اوقات محددة .. تماماً نفس الاوقات التي أستأذن أنا فيها للأنسحاب, وهي وقتي صلاة العصر وصلاة المغرب.(الإستئذان بالخروج بسيط وليس فيه تعقيد, يكفي أن تقف وتتجه الى باب الخروج ثم تستدير بجسمك نحو الآمر وتضرب قدمك اليمنى الى الأرض بإستعداد وترفع الكفّ اليمنى بالتحية العسكرية ان كنت مرتدياً غطاء الرأس (البيرية), أمّا إن كنت حاسر الرأس, فيكفي أن تضرب القدم اليمنى بالأرض وتبقي ذراعيك ممدودتين الى جانب جسمك). وبعد أن أمن (ن مهدي) لي واطمأن لجانبي, كاشفني ب(السر الخطير) بعد أن نلت ثقته من أنه يذهب الى خيمته في هذين الوقتين لأداء الصلاة!.. ياللهول! يصليّ!.. كان ذلك سراً خطيراً في الجيش العراقي في ذلك الوقت من عام 1974, فقد كانت معرفة إن أحد الضباط (متدين) أو إنه يصلّي قد تعني انتهاء مهنته في الجيش وإحالته الى التقاعد! كان تنظيم الحزب في الجيش لا يأمن ساحة المتدينين وأعلن صراحة (علمانية الجيش) ورفضه للتديّن, رغم اجترار المقولة المشهورة ل(ميشيل عفلق) (اللبناني المسيحي, مؤسس حزب البعث) (كان محمد كل العرب, فليكن كل العرب محمداً).
إلاّ إن هذه المقولة كانت للإستهلاك المحلي فقط, وبالتأكيد لم تكن مطبقة في صفوف الضباط في الجيش, وبذلك تحول (الدين) في الجيش من العلن الى السر, كما في بداية ظهور الدين الإسلامي!! لذا فقد كان (ن. مهدي) حريصاً على أن يجد أي فرصة للإنسحاب الى خيمته لكي يغلق بابها على نفسه ويصلي خلسة العصر والمغرب... أما بقية الأوقات فقد كان من الممكن أن نؤديها انا وهو(كل لوحده), دون أن ينتبه لنا أحد, لأنها خارج أوقات لقاءات الضباط اليومية والتي هي عادة بعد الظهر.. في (بهو ضباط مقر الفوج).. ذلك السرداب البائس المظلم...

أزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذفعبد الله المؤمن!!!!!!
ردحذفصدعوا رؤوسنا بها... والصلاة كانت عمل خطير!!
أستاذنا الحبيب
ردحذفرائع انت في وصف الأحداث، بأسلوب السهل الممتنع، حتى احس بأني جالس جنبك و اتابع احداث قصتك، أعدت لي ذكريات منطقة قشقة التي قمت بزيارتها في آخر رحلة إلى إقليم كردستان، و كانت كما وصفتها جميلة جدا بماءها البارد و الصافي ، تحياتي لحضرتك و أتمنى دائما ان تمتعنا بكتابتك الجميلة، مودتي.
شكرا جزيلا اخي العزيز مصطفى .. لم اظن ان قشقة قد صارت منطقة يزورها الزائرون.. ففي وقتنا كانت منطقة عسكرية منزوية.. سرني ان المدونة اعجبتك وأرحب بك للتعليق على المقالات القادمة.. مع الود
حذف