2- بستانه

  هذه  المدونة تحكي عن فترة خدمتي  الالزامية في الجيش (1974-1976) حيث تم منحي رتبة ملازم مجند احتياط في الحرب التي دارت في شمال العراق بين الجيش العراقي من جهة وبين المقاتلين الذين كانت تسميتهم الرسمية (العصاة) (المتمردين الاكراد) وتساندهم القوات الايرانية.  

2- بستانه

ا د سامي سلمان

    صباح يوم الرابع عشر من تشرين الثاني عام اربع  وسبعون وتسعمائة وألف 1974 . غادرت باب (وم ط 5) في (حرير), واتجهت الى الشاحنة العسكرية المتهيئة للمغادرة. ركبت في الحوض الخلفي للشاحنة العسكرية جالساً على المصطبة الخشبية وغرست بسطالي في كومة الطين وبقايا الخضارالتي غطت ارض الشاحنة.. أوصلتني سيارة (الأرزاق) ال(ايفاIFA ) والتي هي شاحنة من صنع الدول الأشتراكية أظّنها المانيا الشرقية... الى (كراج النقليات) في أربيل... ومن هناك أخبروني انني يجب أن أركب سيّارة عسكرية أخرى متجهة الى كركوك وأنزل في (مركز شرطة قوش تبه) والذي يقع على نفس طريق أربيل-كركوك على بعد حوالي عشرين كيلومتراً عن أربيل... 

             عند باب مركز الشرطة كانت هناك مجموعة من ستة أو سبعة جنود افترشوا الأرض وهم ينتظرون.. انظممت اليهم في انتظار الشاحنة العسكرية المخصصة يومياً لجلب (الارزاق) من أربيل.. والتي تتوقف بضع دقائق عندما تمر بمركز شرطة (قوج تبة) كي تحمل الجنود العائدين من إجازاتهم الدورية... ركبت في الحوض الخلفي للشاحنة.. كان هناك تل من لحم الغنم على جانب من حوض الشاحنة الخلفي. وكمية كبيرة من البصل رائحته تزكم الأنوف, والطماطم والخضار مكدسة على الارضية الطينية والتي لاتزال مبللة بسبب أمطار الأيام الماضية, كما كان هناك صناديق ورقية تحتوي علب معجون الطماطم, جلسنا جميعاً على المصاطب الجانبية للشاحنة ولم نتمكن من تفادي سحق الخضار بأحذيتنا العسكرية (البسطال) الملوثة بالطين, بعد مسيرة بضع امتارانحرفت الشاحنة ال(إيفا) إلى يسار الطريق الرئيسي الواصل بين (كركوك) و(أربيل) حيث دخلت في طريق ترابي منبسط غير مبلط, ولمدة عشرين دقيقة كانت تنزلق بين أوحال وصخور وطين خلفتها أمطار هطلت قبل يومين, أمسك الجنود الراكبون معي بألاعمدة الحديدية لجسم الشاحنة, وكنت أرى شفاههم وهي تمتم بإبتهالات وأدعية صامتة, ثم اخبرني احدهم ان هذا الطريق هو المكان المفضل لل(عصاة) لزرع الالغام المضادة للآليات, وأن إحدى سيارات الفوج قد فجرّها لغم في الإسبوع الماضي واستشهد بها جنود ثلاثة, اسكتني صمت وذهول مشوب بالخوف واستغرقت أنا ايضاً بالدعاء والإبتهال بلسان يتمتم وقلب يخفق بشدّة, ثم ابتدأت الشاحنة بالصعود والنزول في سلسلة تلال وطريق متعرج موحل. كان هناك الكثير من المطبات وفي كل مطب كنت مع الجنود نقذف عالياٌ من على مصطباتنا الخشبية ونعود للالتقاء بها بضربات مؤلمة على ظهورنا وأعجازنا... فجأة ومن وراء إحدى الكثبان قفز جندي يرتدي الخوذة العسكرية أمام شاحنتنا وهو يحمل بيده الرشاش وقد صوبه بإتجاه مقصورة الشاحنة وهو يصرخ بصوت عال "قف!.. سرّ الليل؟" رد عليه سائق الشاحنة بكلمات لم اميّزها, وبسرعة اختفى الجندي من امام الشاحنة التي استمرت بمسيرها.. كنت ترى فوق التلال ربايا للجيش محاطة بأكياس الرمل من كل الجهات, ويترائى لك الجنود فيها وقد وضعوا ايديهم على زناد مدافعهم الرشاشة. وبعد مسيرة عشرين دقيقة اخرى وصلنا الى هضبة واسعة مرتفعة بين تلالٍ ثلاثة.. توقفت هناك الشاحنة وأخذ الجنود يتقافزون منها بسرعة, فقد وصلنا الى مقر(ف6 ل96)... مقرّي الجديد... 

        وحيث انني تعلمت السياق العسكري.. فقد أخذت الظرف المختوم بكلمة (سرّي للغاية) الى (رئيس عرفاء الوحدة), والذي كان يشغل خيمة متوسطة  الحجم,  الدخول اليها يتطلب النزول حوالي نصف متر تحت مستوى  الارض... قام بفتح الظرف و أشّر ساعة وتأريخ التحاق (الجندي المكلف الطبيب سامي سلمان شهاب) في دفتر كبير, تعارف السياق العسكري على تسميته (أوامر القسم الثاني)!! و(لا ادري ماهي اوامر القسم الأول)!!.. ثم أمرني أن أسير معه للقاء آمر الفوج.  

      في مبنى واطئ قريب نزلت اربع أو خمس درجات من الحجر تحت مستوى الارض ثم دخلت من باب من الخشب الردئ الذي يستعمل (قالب) للصب الكونكريتي .. حيث وجدتني في قاعة مبنية بالحجر والإسمنت أبعادها  حوالي أربعة امتار في خمسة أمتار.. سقفها من الحديد المقرنص (الجينكو)- عرفت فيما بعد ان الجيش استولى على هذه الاخشاب والجينكو- من قرية (بستانة) التي تبعد بضع  مئات الأمتار أسفل الهضبة.. وللقاعة نوافذ صغيرة جداً فوق مستوى الارض للإضاءة فقط.. توجد فيها طاولة وسطية وستة او سبعة كراسي... وعلى احد جوانبها سرير حديدي وفراش, وجنبه مرآة صغيرة وعدة حلاقة ومنشفة بالية وقذرة.    

    كان (الآمر) رجلاً قد تجاوز الستين من عمره.. على كتفيه رتبة عسكرية من القماش مطرزة بلون غامق وقد بهتت الوانها,  بعد إمعان النظر رأيت  إنها (نسر ونجمة واحدة)... إذاً رتبته (مقدّم), عرفت انه كان قد احيل الى التقاعد منذ سنين طويلة, ثم اًعيد الى الخدمة.. وهذا الفوج واللواء (96) هو بجميعه يقوده خليط من ضباط دائميين وضباط احتياط كانوا متقاعدين  ثم أًعيد استدعائهم لقيادة (أفواج احتياط) تم استحداثها بسبب الحرب في شمال العراق والخسائر الكبيرة التي منيت بها القوات المسلحة.  استقبلني الآمر استقبالاً فاتراً, وطلب مني الجلوس. كان هناك ضابط برتبة باهته من القماش تشير لكونها (نسر-رائد), كان طويلاً, اسمر,  متوسط الحجم يجلس جنب الآمر, عرفت في ما بعد إنه (المساعد), وهو من ينوب عن (الآمر) اثناء اجازته, كما كان هناك ضابط ثالث نحيف جداً, أشقر الشعر, أحمر الوجه, ذو شارب خفيف قد جلس الى يسار المساعد رتبته (ثلاث نجمات-نقيب).. وضابط آخر (ملازم أول) كان شديد السمرة رسمت  ندبة كبيرة ل(حبة بغداد) خريطة عميقة أكلت الجزء الأكبر من خده ألايمن, تفشي كونه من أهل بغداد الأصليين!.. أجلسني (الآمر) لبضع دقائق يستفسر عن أحوالي ثم أخبرني إن بإمكاني وحسب ألأوامر الرسمية أن أدفع إشتراك شهري (تسعة دنانير) لعريف المطعم, كي اتناول طعامي من (مطبخ الضباط) وليس من طعام (مطبخ الجنود), وذلك إحتراماً لمهنتي ومكانتي الإجتماعية , رغم كون رتبتي (جندي مكلف طبيب) (ج م ط) التي يفترض بالعرف العسكري أن لا أخالط الضباط ولا  اجالسهم,  ثم أخبرني (الآمر) إنّ الجندي المكلف الطبيب الموجود حالياً في مقر الفوج, والذي سوف أستبدله, كان قد رفض المشاركة بمطبخ الضباط  وفضّل الإستمرار بتناول طعامه من (مطبخ الجنود). 

         ذهبت برفقة (رئيس عرفاء الوحدة) الى (الخيمة) التي ستكون مقر  سكني في الأياّم المقبلة.. كما انها ستكون بمثابة العيادة الخارجية للجنود المرضى. هناك وجدت الطبيب الذي هو من الدورة التي سبقتنا بعام واحد جالساً على سريره الحديدي. كان شخصاً نحيفاً متوسط الطول, عرفنّي بنفسه ثم إنهمك مباشرة يحكي لي سلسلة من الروايات والقصص عن تجاربه في هذا الفوج, فهو قد مضى على وجوده في هذا الفوج أربعة أشهر. كان يتحرك طوال الوقت بعصبية واضحة, أحياناً يضحك بدون سبب  ويدور بعينيه الى مختلف الأتجاهات ثم يعود لإضهار الجدية في كلامه لتنطلق منه ضحكة  في غير وقتها!.. كانت هناك رائحة زنخة تملأ جو الخيمة وتكتم الأنفاس,  تفوح  من (مرقة لحم) تغلي في قدر عتيق من الامنيوم الذي يغطيه سخام أسود, كان زميلي الطبيب قد وضعه على المدفئة النفطية (علاء الدين) وسط الخيمة.كنت أستمع الى حكاياته وانا أشعر بالغثيان  من رائحة (زناخة) الطعام.

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

4-2 بكرين و صدّامين وأربع قصص حزينة

2-7 مستشفى طوارئ الرصافة

3- طبيب... عتوي