5-7 هل يزعجك أن تقودك امرأة؟
5-7 هل يزعجك أن تقودك امرأة؟رغم أنني كان بإمكاني تقديم شهادة (الطب الرياضي) للتصديق في الخارجية الفرنسية والسفارة العراقية في (باريس), , إلا أنني قررت عدم تقديم الشهادة للمعنيين و ابقيتها طي الكتمان, مخافة أن يتم اعتباري قد حصلت على الاختصاص في (التأهيل الطبي), وبذا يحرمني من فرصة الحصول على إجازة دراسية جديدة (وسفرة جديدة) الى (أمريكا) أو (بريطانيا)، لذا تظاهرت بالإستمرار بالدراسة.
في احدى الأمسيات اوقفت سيارتي في الشارع العام الجميل القريب من (مكتبة كلية الطب), وبقيت في المكتبة لمدة ساعة وعند خروجي كانت سيارتي قد إختفت من المكان الذي تركتها فيه!. ركضت ذاهباً وآيباً على الرصيف لعلني كنت مخطئاً في المكان الذي تركت فيه سيارتي الا انها كانت (فص ملح وذاب)!..
على مبعدة قريبة كان هناك شرطي مرور اقتربت منه وحييته, ثم أخبرته بذعر ان سيارتي قد اختفت من الشارع! قال لي:
"هل هي سيارتك ال(ستروين ديان 6) التي لونها اخضر"؟
أجبت "نعم"!
قال": ان الشرطة قد رفعتها قبل قليل وأخذتها إلى ساحة الحجز"!
سألته "اخذتها الى أين"؟
نصحني ان اذهب الى (مديرية شرطة المرور) في مركز المدينة وأن اسأل هناك!
رجعت الى شقتي حيث طرقت الباب على (ابورانية- توفيق العودات) السوري الشهم (رجل المهمات الصعبة), اصطحبني بسيارته وذهبنا مسرعين الى (مديرية شرطة المرور) الذي دلني الشرطي عليه, ودخلت على الضابط وأنا الهث بقلق.
أخبرته أن سيارتي قد رفعت من مكانها عند الرصيف المجاور لكلية الطب!.. نظر في دفتره ثم قال: "نعم لقد رفعناها وهي الآن في (كراج) الحجز"!
لم اتمالك نفسي فقلت له غاضباً: " لماذا من دون كل السيارات المتوقفة هناك.. ترفعون سيارتي؟ انتم (عنصريون) (racist)"!
لم يكترث الضابط لكلامي وأخذ يقلب في صندوق صغير على مكتبه ثم أخرج صوراً (فورية-بولارويد) ملونّه التقطت من الأمام ومن الجانب لسيارتي. قال:
"أليست هذه سيارتك! الا ترى انها تقف بشكل محظور؟
أجبت "لا"!
قال "ألا ترى أن إطار سيارتك على خطوط العبور البيضاء"؟
أجبت: "نعم .. ثم ماذا"؟
سألني وبهدوء: " اخبرني... اين حصلت على اجازة السوق"؟
أجبت: "من بلدي العراق"!
قال " وفي العراق.. ألم يعلمّوك بأن الوقوف على خطوط العبور ممنوع؟"
إستحيت ان اخبره ان تلك كانت اول مرة اعرف فيها ان لا يجوز التوقف على خطوط العبور!
ثم قال:" عليك أن تدفع مبلغ 60 فرنكاً (كانت تساوي خمسة عشر دولاراً) غرامة الشرطة عن المخالفة, ولكن بما انك اتهمتنا ب (العنصرية), فسوف اعفيك من الغرامة! بقي مبلغ 40 فرنكاً (عشرة دولارات) يجب أن تدفع عن سحب السيارة وحفظها في الساحة!
اعترضت على المبلغ لكنه اقنعني ان امرها ليس بيده لأن (السحب و الساحة) هي خدمة تقوم بها (شركة اهلية) لا علاقة للشرطة بها ولا يمكنه اعفائي منها!
دفعت المبلغ واستلمت منه استمارة إخلاء سبيل السيارة, وبسرعة اخذني (ابو رانية) الى العنوان الذي وجهني اليه.. كانت ساحة مبلطة وأنيقة محاطة بسور من المعدن المشبك وفيها كشافات ضوء أحالت الليل نهاراً لشدة اضاءتها. أعطيته الوصل فارشدني (الحارس) الى سيارتي.
و قبل ان اركب فيها قلت للحارس:
"وما يدريني انكم لم تسببوا ضرراً للسيارة اثناء سحبها أو أنكم اتلفتم جزءاً من محركّها"؟
أجابني : "مبلغ السحب الذي دفعته, يتضمن تأميناً شاملاً لمدة اسبوع! اي ضرر تجده في سيارتك سوف نقوم بتصليحه على نفقتنا"!..
و انا في طريق عودتي ثم و لمدة اسبوع بقيت احاول (استفزّاز) سيارتي بكل طريقة, اصعد بها الأرصفة وأنزل, و أقود بكل سرعة ثم أتوقف بسرعة!… كانوا كمن حملها على بساط من الريش! لم يسببوا لها اي ضرر… للأسف!
أثناء زيارتي لبغداد في شهر آب من عام 1980 وبعد صدور قرار منحنا الخيار في دراسة جديدة,. كنت قد حصلت على تأشيرة (فيزا) لي ولزوجتي من (السفارة الامريكية) في بغداد من مقر السفارة في منطقة (المسبح), وكان في نيتي ان اذهب الى (امريكا) للإختصاص, لكني ذهبت لمقابلة أستاذي الدكتور(زياد الراوي) في مكتبه في (مدينة الطب), لإستشارته في امر دراستي. نصحني (زياد الراوي) بالعدول عن الذهاب الى (أمريكا) وعوضاً عنه الذهاب الى (بريطانيا) وأعطاني عنوانين: أحدهما للبروفيسور (بول بيكنPaul Bacon) في (برمنجهام), والأخر كان للبروفيسور(فيرنا رايت Verna Wright) في (ليدزLeeds).
في اثناء تلك الزيارة لبغداد مررت ايضاً, وكعادتي سابقاً, على (معهد العلاج الطبيعي) للسلام على مديره الذي كنت احبه واحترمه كثيراً, وكذلك السلام على بقية الاختصاصيين. المرحوم الدكتور (خزعل ذياب) الطبيب الشاعر الزجال, كنت أحب أن أجالسه. سألني عن "الحياة في فرنسا وكيف وجدتها؟"
اخبرته انني كنت في اشد حالات السعادة مع عائلتي في تلك المدينة الجميلة وذلك البلد الجميل"!.
أطرق المرحوم خزعل ثم قال لي:
" لكن زملائك لم يبقوا إلا بضعة أسابيع فقط! وهربوا من فرنسا, وقد صوروا لنا الحياة هناك على أنها جحيم لا يطاق!"
قلت له "هناك ناس يصابون بسرعة ب(مرض الحنين للوطن).. ربما لم يكونوا متعودين على السفر سابقاً, انا قد تعودت على ذلك واحببت فرنسا!"..
هنا كانت صدمتي الكبيرة عندما قال لي محّدثي:
"أحد الذين عادوا اخبرنا انك قد استقبلك الحزب الشيوعي الفرنسي.. وأعطاك هدايا ومنحك بيتاً!"
(في ذلك الوقت كانت مجرد التهمة ب(الميل للشيوعية) كافية لتحطيم مستقبلك والقائك في السجن!, انا كنت وطوال مسيرتي الطبية ولحد الآن على الحياد من أي انتماء سياسي, وبقيت على مسافة متساوية من كل الطوائف والأديان والاتجاهات السياسية, ولم انتم إلى اي منها, لذلك شعرت بأن ما أخبرني به محدثي كما لو كان طعنة في ظهري من قبل احد زملائي العائدين!)
أخبرت الدكتور (خزعل) حكاية مقابلتي لعمدة مدينة مونبلييه وقصة شقتي وكيف حصلت عليها, ويبدو انه صدّقني, لكني بقيت أحس بالمرارة و أشعر بالخوف من تلك (الإشاعة) التي اطلقها علي زميلي, ربما دون ان يقصد؟ وفعلاً ينطبق على ما حدث المثل القائل (كل ذي نعمة محسود!).
بعد عودتنا الى (مونبلييه), قمت بالسفر لوحدي الى (بريطانيا), حيث ان السفر من (باريس) الى (لندن) بالقطار (ثم بالعبّارة) كان سهلاً وزهيداً جداً. ذهبت اولاً الى (برمنجهام) حيث نزلت في أحد الفنادق, ثم ذهبت الى المستشفى الذي يعمل فيه (بول بيكن) وطرقت الباب على سكرتيرته, اخبرتها انني (جئت من العراق)! لمقابلة البروفيسور الشهير!, أصيبت المسكينة بشبه (انهيار عصبي) لتصرفي هذا! اذ اخبرتني ان البروفيسور في إجازته الصيفية خارج بريطانيا ثم أنبتّني على مجيئي بدون موعد مسبق ومن هذا البلد البعيد؟ وكنت ارى انها اشفقت علّي كثيراً من هذا (التصرف الأرعن)!.
تركت (برمنغهام) وركبت القطار متجهاً الى (ليدز) ثم إلى مستشفى (رويال باث هوسبيتال) في مدينة (هاروكيتHarrogate) القريبة, حيث يعمل زميلي وصديقي (حامد الشكرجي) ك (طبيب مسجل Registrar) عند البروفيسور (فيرنا رايت). في نفس اليوم دعاني (حامد) لغداء رائع في بيته, واخبرني انني محظوظ لأن البروفيسور سيكون موجوداً بعد ظهر اليوم وسوف نقابله سويةً.
بعد الغداء التقيت بالرجل القصير البدين والأشهر في العالم في أمراض المفاصل, فهو أول من وصف أمراض المفاصل (سالبة المصل Sero-Negative) كما كان أول من وصف بدقة (التهاب المفاصل الصدفي Psoriatic Arthritis).
بعد ان عرف اني حصلت على اجازة دراسية في (التأهيل الطبي) من (وزارة الصحة العراقية) بدا عليه بعض التردد, لكن (حامد) أخبره بأن الحكومة العراقية (غنيّة) وإنها مستعدة (لدفع اجور) عن دراستي!. وبمجرد سماعه كلمة (أجور) انفرجت اساريره و بدا عليه الاقتناع! ثم فكر قليلاً وقال لي:
" هناك إمرأة تعمل معي اسمها (آن تشمبرلينAnne Chamberlain) هي التي تقوم بالتدريس والتدريب على (التأهيل الطبي)!"
ثم أعقب "هل يزعجك أن (تقودك) إمرأة؟"
أجبته و(أنا أتظاهر بالجّدية): "سيدي.. أنا معتاد ان (تقودني امرأة).. فأنا متزوج!"
استغرق (فيرنا رايت) بالضحك واعتبرها (نكتة ممتازة)! وفوراً أمسك بجهاز صغير, وبدأ بإملاء رسالة إلى سكرتيرته, ثم أخرج (الكاسيت) الصغير وسلّمه الى (حامد) الذي اخذه مسرعاً الى السكرتيرة.
وبعد دقائق كان البروفيسور يضع توقيعه وختمه على ورقة رسمية تحمل شعار(جامعة ليدز- كلية الطب-قسم امراض المفاصل) يذكر فيها أنه قد تم قبولي على دراسة أمدها سنتين للتخصص في (التأهيل الطبي)!.
عدت بالقطار -ثم العبّارة - ثم القطار, الى (مونبلييه), وأرسلت القبول مع (طلب رسمي) الى (بغـداد).. وبعد شهر جاءتني الموافقة على منحي (إجازة دراسية), و(سنتين جديدتين) أقضيها في (بريطانيا) هذه المرة!
تعليقات
إرسال تعليق