22- التسريح... أخيراً

22- التسريح أخيراً
مضت الأشهر الأربعة المتبقية في خدمتي العسكرية في (وحدة الميدان الطبية الخامسة) بسلاسة وبدون مفارز اخرى!.. كنت استلم المسدس الروسي ال(توكاريف) الثقيل والكريه, كل ثلاثة أو أربعة ايام ومنذ الصباح الباكر, كي أعلقّه في (نطاق) بنطلوني الى جانبي الايمن, ايذاناً بأني ضابط خفر اليوم... و(الحاكم) في البت في المشاكل التي تقع في الوحدة بعد الدوام!...في 6 كانون الثاني 1976 كنت ضابط الخفر, وقبل أن أتناول الفطور جاءني (عريف وجندي مطبخ) من إحدى الافواج القريبة, وكانا يحملان صينية يتوسطها صحن (حلاوة طحين).. ومعها ملعقة وأخبرني العريف أن بقية الافواج الملحقة بوحدتنا سوف يجلبون لي هذا الصباح ال(حلاوة طحين) كي أتذوق ملعقة من كل منها, ثم ولكوني ضابط الخفر الطبيب لهذا اليوم والذي صادف (عيد الجيش العراقي), فإنني يجب ان أحكم لمن أعّد الأفضل والألذ منها صباح هذا اليوم من (مطابخ الجنود), وذلك لنيل (جائزة أفضل حلاوة طحين) و(التكريم) من قيادة اللواء, ويبدو ان هذا التقليد متوارث منذ أمد بعيد كنوع من الإحتفال بعيد الجيش.. ومن عدد المعالق التي تناولتها لإختبار الأفضل بين الافواج فقد شبعت ونلت فطوري هذا الصباح!..
(حلاوة الطحين) في الجيش لها وصفة خاصة فهي تعد اولاً من تقليب طحين الحنطة في الزبدة وعلى نار هادئة الى ان يتحول الى اللون الأسمر الخفيف ويضاف له السكر وماء الورد والهيل المطحون... وهناك فن في إعداده لكي يكون الناتج لذيذاً جداً .. وهكذا وجدت نفسي مسؤولاً عن تقرير من سيفوز بجائزة (أحسن حلاوة) لهذا الصباح!..
اخونا العزيز الدكتور (قاسم شمال) قد تعود على زيارتنا بين الحين والآخر لتناول غدائه معنا .. مساعد (وم ط 5) كان (النقيب عبد الرزاق) وهو شخص في منتهى الطيبة والبساطة, فعائلته تسكن في إحدى قرى (سنجار) من عشيرة تمارس الزراعة إسمها (البو متيوت).. الدكتور (قاسم شمال) كان يمازح النقيب (عبدالرزاق المتيوتي) كلّما قابله بقوله:
"عفية البومتيوت فيضّوا سنجـــار دم!" ثم يضحكان...
لم أعرف ما المقصود حتى حكوا لي قصتها.. فال" بو متيوت" يمتهنون زراعة الحنطة اعتماداً على مياه الامطار (الديم).. وفي عام (1944 ) وكان إحد سنوات الجفاف, فإن عشائر (شمّر) البدوية والتي تعتمد على الرعي.. قتلت منهم رجلين تجرأوا على الدخول في أراضيهم. ثم أخذ كل من العشيرتين يغير على الأخرى ويسرق أغنامها.. نشب نزاع مسلح بين المزارعين المسالمين من ال(بومتيوت) وبين المقاتلين من (شمر) إستمر حتى عام 1946 حيث حصلت المعركة الأخيرة والفاصلة بين الطرفين.. وتشاء الصدف أن يتمكن المزارعون البسطاء من الإنتصار على (شمّر) الذين كانوا خمسة اضعاف عددهم وعدتهم .. وكانت اهزوجتهم ..
(عفية البومتيوت فيضّوا سنجـــار دم.. عجزوا السوّاق من نكل الزلـــم).. (نكل=نقل).
أي ان عدد الجرحى والقتلى في تلك المعارك قد أدى الى عجز سائقي الشاحنات عن حملهم لكثرتهم.. (تقرير الشرطة المحلية في وقتها يذكر أن القتلى من ال(بومتيوت) كانوا 74 رجلاً وربما كان قتلى شمر أكثر بقليل.. )!
في أحد الايام جائنا التبليغ بأن يتهيأ جميع أفراد وحدتنا , ضباطاً وجنوداً للمشاركة في أنتهاء تدريب دورة من الجنود, والذين تكون احتفالية انتهاء تدريبهم بالذهاب الى ميدان الرمي القريب حيث يقوم الجميع بإطلاق الرصاص الحي على أهداف معينة (الشواخص).. إنبطح أول صف من الجنود أمام الشواخص, وقام كل منهم بتفريغ خزّان البندقية الروسية (سيمينوف) على الاهداف, ثم أمرهم العريف بالوقوف والتحرك وان يحل محلهم صف آخر من الجنود وهكذا.. بعدها جاء دور ال(ضبّاط) من وحدة الميدان حيث انبطح كل منهم امام الشواخص واطلق النار, كل على الشاخص المقابل له من بندقية ال(سيمينوف)... الا أنا!! فقد فاجأت الجميع بأن بركت (ركبة ونصف) ثم أخرجت المسدس ال(توكاريف) الثقيل الذي كنت أكرهه والذي حملته طوال الاشهر الماضية (كرهاً على كره)!.. وامسكت به بإحكام بيدي اليمنى والتي ثبتتها بواسطة يدي اليسرى كي لا تهتز, ووجهته نحو ال(شاخص) ثم أفرغت مخزنه كاملاً... ولدهشتي وإستغرابي من هذه ال(حديدة) التي كنت احملها, فمن مجموع الرصاصات العشرة التي اطلقتها إستقرت ثمانية منها في وسط الشاخص, مسجلة أعلى عدد من التسديدات الناجحة بين كل ما إستعمله أفراد وحدتنا من سلاح!.
طوال فترة وجودي في وحدة الميدان كنت أحس بنشوة خاصة من كوني (ضابطاً)!.. فهناك مراسل لخدمتي .. وجميع الجنود يرفعون أيديهم بالتحية والإستعداد وينادوني ب(سيدي).. وهناك من يعّد لي طعامي ويغسل ملابسي ويصبغ حذائي.. حياة بدأت في إدمانها و تقبّلها.. وفي أحد الأيام وجدتني وقد أمسكت بالقلم و كتبت طلباً الى وزارة الدفاع (بواسطة آمر وحدة الميدان) و(سلسلة المراجع), طالباً (الموافقة على تطوعي للخدمة في الطبابة العسكرية)!...
كان طلبي يبدأ في أعلى الصفحة بعبارة (بسم الله الرحمن الرحيم)... نظر آمر الوحدة (النقيب عبد الهادي) ملّياً الى طلبي ثم قال:
"مالذي تفعله؟ يجب أن ترفع البسملة من طلبك!" (ففي ذلك الوقت كان الجيش يشجع العلمانية ولا يحبذ التدين!).
رفضت بشدة رفع عبارة (البسملة) من طلبي!.. وأخبرته بأنني سوف ابقي (البسملة) لأنني أتشائم من كتابة أي طلب بدونها!
قال لي: "بكيفك..إذاً ابشرك من الآن بأن طلبك سوف يرفض"..
قلت "لا بأس.. ليكن ما يكن"..
في حوالي منتصف شهر آذار 1976 حان وقت تسريحي من الخدمة العسكرية.. كنت فجأة قد أحسست بالسعادة! كان (ن ض القلم) يطبع كتاب تسريحي من الخدمة عندما حصلت مفاجأة سارّة اخرى.. المرحوم (الدكتور راجي عباس التكريتي) جاء الى أربيل لتفقد احتياجات مستشفى (اربيل العسكري), ثم اتبعها بزيارة لوحدة الميدان الطبية الخامسة المجاورة للمستشفى.. حيّاني بود شديد, فهو صديق لشقيقي الضابط, كما إنهما كانا على نفس خط الميول السياسية (القومية العربية-الناصرية).. وما إن سمع بأنني انتظر طباعة كتاب تسريحي حتى قال لي..
"لعد عال... اليوم إرجع معي الى بغداد.. بالطائرة السمتية التي جئت بها!"..
ربما كانت تلك ابواب السماء مفتحة اليوم.. فلا يوجد أزعج من طريق اربيل-بغداد البرّي, وسوف أركب طائرة سمتية أعود بها الى بغداد!.. وسوف تكون هذه ثاني مرة في حياتي بالركوب بالطائرة.. (وسوف احكي في فرصة أخرى عن قصّة المرة الأولى والتي كانت تجربة مثيرة اخرى)! ...
في ألأيام التي تلت رجوعي الى بغداد وقد تركت الملابس العسكرية .. فقد تم توزيعي للخدمة في ألأرياف.. وكانت حصتي في القرعة (المركز الصحي في الثرثار)..
بعد أشهر عديدة من دوامي في الأرياف جائني (شرطي) يحمل كتاب (تبليغ) بمراجعة (مركز شرطة سامراء).. وهو المركز الذي تكون ناحية (الثرثار) ضمن منطقة نفوذه.. أنا بطبعي مسالم.. ولم يصدف أن يشتكي علي مريض أو اسبّب أي أذى لأي شخص.. يارب.. من إشتكى علي؟ وماذا يريد مركز الشرطة مني؟..
بعد دخولي المركز وسلامي.. .. أخرج مفوض الشرطة كتاباً من أحد المجرات معنون (سري للغاية).. وبعد بعض الحيرة قرأت (تمت الموافقة على تطوع الطبيب سامي سلمان في خدمات ( الطبابة العسكرية) على أن يلتحق فوراً ويسجّل إنفكاكه من الخدمة في وزارة الصحة!)..
في تلك الفترة كنت قد شممت رائحة السعادة الحقيقية .. وتنفست الحرية بكل معانيها وروعتها.. وتذوقت لذة (الحياة المدنية).. وتغيرت عندي المقاييس التي تعودتها في اثناء الخدمة العسكرية.. ووجدت إن مكاني الحقيقي هو ممارسة الطب بين المدنيين نساءً وأطفالاً وشيوخاً.. حياة اكثر لذة وسعادة من تلك التي عشتها في الجيش!..
طلبت من (المفوض) أن يناولني ورقة بيضاء.. ابتدأتها ب(بسم الله الرحمن الرحيم).. وأدرجت فيها إعتذاري من الإلتحاق بالجيش وطلبت فيها إلغاء طلبي بالتطوع!
وكان لي مأ أردت.. والحمد لله على ذلك القرار الصائب...
وقد كتب لي الزميل د قاسم شمال اختصاصي الباطنية عن احدى ذكرياته من مستشفى اربيل العسكري:
اتذكر حالة لازالت في الذاكره من (مستشفى اربيل العسكري) حيث كنت مسؤؤلا عن قسم الباطنيه فيه.
جاء احد الضباط يشتكي المآ شديدا في الصدر وكان برتبة مقدم. اثبت تخطيط القلب اصابته بجلطه قلبيه حاده. ادخل المستشفى ك(حاله طارئه) ودون أن يكون عنده كتاب تحويل رسمي من طبيب الوحده العسكريه التي ينتسب اليها.
اعطي العلاجات المتوفره في المستشفى بوفتها. بعد ايام بعثنا بطلب الى (مستشفى الرشيد العسكري) لاكمال علاجه.
في صباح اليوم التالي جاء قائد الفرقه وهو (عميد ركن) وطلب أن يزور الضابط المريض وكنت فرحا بمبادره السيد القائد.
وعند سرير المريض تفحص (السيد القائد) تخطيط القلب وقال:
"لاتوجد علامات لجلطه قلبيه!, ولاتوجد حاجه لارساله الى مستشفى الرشيد العسكري!" امام ذهول الكادر الطبي.
ثم بعدها ارسل القائد من اخبرنا بأنّ هذا الضابط (حاقد) و(لانوافق) على إرساله الى الرشيد العسكري!.
وكان هذا ماحصل! ف(القائد) في الجبش هو فوق (العلم والعلماء)!.
بعد ان تحسنت صحة الضابط خرج من المستشغى باجازه (تم تقليصها) من قبل الامر!.
بعد عدة سنوات وانا اعمل في (مستشفى الرشيد العسكري) جاءني الممرض يقول ان أحد كبار الضباط مريض في العنايه القلبيه المركزة وهو يسأل عنك شخصياً!. ذهبت لأراه فوجدته نفس (السيد القائد) أيام أربيل, وقد أدخل مصابا بجلطه قلبيه حاده مع مضاعفاتها. بعد السلام ومناقشة العلاجات طلب مني أن أساعده بالسفر (للعلاج خارج العراق).
في اليوم التالي وكنت بالعياده الخارجيه جاء أحد الضباط المتقاعدين وسلّم علي بحراره, وعرفت انه الضابط اللذي رفض (السيد القائد) أن نرسله الى الرشيد العسكري, كان يشتكي ألماً في الصدر, فادخلته العنايه القلبيه المركزة. طلبت منه ان يذهب ويسّلم على السيد القائد وهو يرقد على مبعدة سريرين عنه! فذهب وسلّم عليه, ووصلت أنا نفس الوقت.
(السيد القائد) احسّ بالخجل, إعتذر من الضابط الذي رفض أن يرسله من أربيل إلى بغداد للعلاج بحجة انه (حاقد)!.
التفت نحوي قائلاً "شتكول دكتور؟"
اجبته: "سبدي ارادة الله.. (القائد) و(الحاقد) بنفس المكان تحت رحمته الواسعه!.
كما كتب لي الزميل الدكتور (حارث بلال) عن ذكرياته عن التسريح من الخدمة في الجيش...
ذكرتني بيوم تسريحي من (مستشفى أربيل العسكري). في يومها كنا قد أجرّنا (كوستر) أنا وزملائي الأطباء المتسرحين ولبسنا الزي المدني, وحضّرنا (هوية نقابة الأطباء) في أيدينا كي نبرزها للسيطرات حتى لايسئلونا "وين نموذج إجازتك"؟
وكان أحدنا لابساً الزيّ العسكري. عند السيطرات من (أربيل إلى بغداد) والبالغ عددها (عشرة) يصعد أحد أفراد السيطرة ويسألنا نحن ال(لابسين مدني):
"وين نموذج اجازتك"؟
نجيبه: "نحن متسرحين".
يقول: "اعطوني كتب التسريح اشوفها"!.
ولا يطلب من زميلنا ال(لابس عسكري) اي شئ!. تكرر الوضع في كل السيطرات. فصار عندنا فضول.. فسألنا السيطرة :
"انت شلون عرفت احنا عسكريين؟"
أجاب ببرود قاتل: " مو يطغاتكم فوك السيارة!".
في تلك اللحظة عرفنا كيف أن العسكرية قد شلّت دماغنا!.
عزيزي د سامي المحترم ارجو ان تستمر بامتاعنا وباسلوبك الجميل بالكتابه عن ذكرياتك في الحياة المدنيه كما شوقتنا بسرد ذكرياتك في الحياة العسكريه فهي كانت اشبه بمشاهدة فيلم وثائقي وليست مجرد سرد مذكرات اهنئك مجددا على هذا الاسلوب الرائع في الكتابه
ردحذفشكراً اخي الغالي رمزي على مرورك على مدونتي وإعتباراً من الاسبوع القادم سأبدأ بذكريات الحياة المدنية. مع كل الحب
حذفسامي
مبروك التسريح و ان شاء الله لا يلحقك احتياط و لو هذا مستحيل في عراق الخير. و اهنيك على بداية موفقه بالتشبث بالعمل المدني. و بالناسبة زار احد قادة الفرق في خانقين و. م. ط. و استفسر من امرها عن صالة العمليات و اخبره ان امكانيات الوحدة لا تسمح بصالة للعمليات لما تتطلبه من ظروف تعقيم و ماء كافي للتغسيل وهو غير متوفر بالوحدة. فأجابه هي صالة العمليات اهم من الصلاة؟ الصلاة اذا ماكو مي نتيمم ........
ردحذفشكرا اخي العزيز على تعقيبك على المدونة.. للأسف لم يظهر امامي اسمك الكريم
حذفد. سامي : في هذه الايام \ الاشهر \ السنوات وفيها الكثير من النكد ، نحتاج كعلاج نفسي قراءة ما يمتعنا ، بالرغم من شر البلية ما يضحك. عندما تكتب انت عن التاريخ الحديث نتذكر ما عشناه نحن قبلك فترة الخدمة العسكرية. اتذكر عندما انهيت دورة الاحتياط في كانون ثاني 1963 بانتظار القرعة لتعيين موقع وحدتي العسكرية كملازم طبيب احتياط ، ابلغ بكتب الاستخبارات العسكرية بما يلي"فوضوي يميني. ينقل بتصرف الفرقة الثانية وحتى يخلص للجمهورية والزعيم!!" ، وهو ما شمل حوالي 10 زملاء ، كما شمل حوالي 10 آخرين كتاب:"فوضوي يساري. ينقل بتصرف الفرقة ؟؟؟؟ وحتى يخلص للجمهورية والزعيم، وكان معي د. فائق الآلوسي . في كركوك ، وبالقرعة تم تعييني في مستشفى كركوك العسكري. بعد بضعة ايام اطيح بعبد الكريم قاسم ، فتطوع ضابط اعاشة بتبليغ الاستخبارات العسكرية "بفوضويتي اليمينية" كي اعتقل ، ولم ينتبه هو وبقية منتسبي المستشفى بان هذا التعبير استخدم ضد الضباط القوميين!!. أما عن التسريح، فقد طلبت ان اجدد خدمتي كطبيب عسكري في نيسان 1964، وكانت خدمتنا سنتان، وخلال شهرين صدر امر تسريحي من الجيش "بسبب عدم كفائته" اي بعد سنة و4 اشهر من التحاقي ، وكان هذا هدفي من طلب التجديد، حيث ان زملائي اكملوا حوالي 8 اشهر اخرى.
ردحذفلماذا Unkown? انا رمزي برنوطي. المفروض ان يطلب الاسم او ينبه الكاتب كي يسجل اسمه
حذفحبيبي رمزي سررت جداً لمداخلتك فأنت بالذات يهمني رأيك لما اعرفه عنك من قدرات ادبية ولحسن حظك اتهموك باليمينية كي لا تبقى في الجيش وإلا لم نكن سنستمتع بصحبتك. انت يتهمونك يميني وأنا كانوا يتهمونني يساري وكلينا ميولنا قومية. مع كل الحب
حذفسامي